مقالات مختارة

خطر أمني يهدد وجود «حماس» في تركيا!

هدى الحسيني

قالت حركة «حماس» إنها تدعم دولة فلسطينية ضمن حدود 1976 من دون الاعتراف بوجود إسرائيل. «حماس» لا تملك المال، وأفقرت أبناء غزة، ليس لديها استراتيجية حديثة، وقيادتها تبحث عن ضائع، ومصرة على التذاكي. لكن كما يبدو اكتشفت أن للدول أولويات كثيرة أخرى أهم منها.

كانت تركيا من أهم المواضيع الإخبارية في العامين الماضيين، سواء في محاولة الانقلاب الصيف الماضي، أو في الاستفتاء الذي منح الرئيس رجب طيب إردوغان صلاحيات جديدة، أو في تسريحه آلاف الناس من الخدمة المدنية، أو في تعرض الإعلاميين لحملة قاسية واضحة. إن إدارة إردوغان لا تفتقر أبدا لعناوين الأخبار، ومع ذلك فإن قصة معينة لم تحظ باهتمام كبير، وهي علاقة تركيا بحركة «حماس» الفلسطينية. خلال السنوات الأخيرة، اضطر قادة «حماس» إلى نقل مواقع قيادييهم من سوريا بسبب الحرب الدائرة هناك، إلى قطر ومنها إلى تركيا. وارتبط نظام إردوغان بعلاقة طويلة وإيجابية مع المجموعة الفلسطينية سواء مع فرعها السياسي، حيث منازل القادة في أنقرة أو تسهيل تنقلاتهم وأسفارهم، أو الفرع العسكري الذي تمتع، لسنوات، بضيافة الحكومة التركية، هذه الإحاطة للجناح العسكري لـ«حماس» هي الجزء الأكثر إثارة للاهتمام.
حتى وقت قريب، كانت هذه الحالة من الإحاطة تأخذها «حماس» كفعل قائم، أي العيش بأمن والعمل بحرية في تركيا. وكان أكثر من يشعر بهذا الأمان الفريق النشط في «حماس». لكن المعلومات الأخيرة تكشف عن تعرضهم للتهديد إلى درجة أن شعورهم المريح بالأمن في تركيا قد تحطم.
هذا التغيير الكبير في الجو والمناخ، يستند بوضوح إلى أحداث أخيرة في المنطقة. إذ ذكرت مصادر مقربة من هذه المسألة، أن نشطاء «حماس» في تركيا قدموا تقارير إلى السلطات التركية تشير إلى أن هناك من يتعقبهم، وأنهم تلقوا تهديدات بالقتل. وتصف التقارير أحداثاً ذات طبيعة وحشية، وكأنها تسير على نمط واحد من حيث تزايد مستوى العنف مع مرور الوقت.
هذا يدفع إلى التساؤل عما إذا كانت علامات العنف شبيهة بتلك التي ظهرت في تونس قبل سقوط أحد أفراد «حماس» هناك، المهندس محمد الزواوي الذي كان مسؤولاً عن صنع طائرات «الأبابيل» وهي من دون طيار، والذي اغتيل في شهر ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي.
نشطاء «حماس» في تركيا شعروا بأنه لا يمكنهم المغامرة بأمنهم الشخصي، خصوصاً وهم منكبون على تأمين الأموال للحركة بالطرق كافة، وتمرير المكونات الإلكترونية ذات الطبيعة العسكرية أو تنسيق مزيد من التدريب والتأهيل.
يقول محلل متخصص في هذا المجال، إنه قبل أن يصاب هؤلاء بجراح في تركيا كانوا خائفين، لأنهم شاهدوا ما حدث في تونس. ويضيف: «كان لما حدث في تونس تأثير كبير على كل نشاط (حماس) في بلدان أخرى، ولم تكن تركيا مختلفة، وبالتالي يجب أن يكونوا طرحوا أسئلة حول الأمن، ومن يراقبهم، ومن يهتم بهم ويحميهم عندما يتحركون في الخارج. ثم بدأوا يتعرضون للتهديد». وقال المصدر الذي تحدث مع أحد أعضاء «حماس» في تركيا: «صاروا يعرفون ألا أحد يقدم لهم أي إجراءات أمنية، ليس قيادة (حماس) وبالتأكيد ليس الأتراك». ووفقاً لقوله، فقد خلق هذا توتراً كبيراً في الجناح العسكري لـ«حماس» في تركيا، ولدى الفرع السياسي الذي تستضيفه البلاد.
هذا النوع من العنف لا يمكن أن تغيب عنه السلطات المحلية، خصوصاً من قبل دولة سيادية قوية مثل تركيا. وكون النظام لا يقوم بأي استثناء لحماية مجموعة «حماس» يحمل معاني كثيرة.
من المؤكد أن أنقرة على بينة من الأحداث الأخيرة التي تقلق نشطاء «حماس» في تركيا، لكن من الصعب إلقاء اللوم على أنقرة لعدم بذل مزيد من الجهد لحماية «حماس» المقيمة عندها، رغم أن خبراء الاستخبارات التركية يقدرون أن الأحداث الأخيرة في تونس قد تتكرر في تركيا. لكن من الواضح أن لديهم قضايا أكبر تشغلهم وتقلقهم، فالحرب في سوريا لا يبدو أنها ستنتهي في يوم قريب، ثم إن القيادة الجديدة لـ«حماس» قررت قطع ارتباطاتها بحركة الإخوان المسلمين. وهناك تنظيم داعش الذي لا يزال في بعض نشاطاته ينطلق في تنقلاته من الحدود التركية. ثم إن علاقات «حماس» الوطيدة مع إيران معروفة، وتركيا الآن ليست في حاجة إلى جماعات لا تثق بهم.
وكانت السلطات التركية أعلنت الأحد الماضي أنها اعتقلت مواطناً إيرانياً كان يقوم بتهريب مكونات نظام صواريخ مضادة للدبابات الروسية، من أجل تسليمها إلى جماعات إرهابية. وقالت وزارة الجمارك إنه في 27 من الشهر الماضي وفي مدينة زونغولداك على البحر الأسود، وعقب تفتيش شاحنة آتية من أوكرانيا ومنقولة بحراً ومدرجة على أنها تنقل حفاضات، تبين أنها تحمل المكونات الرئيسية لنظامي صواريخ ضد الدبابات الروسية الصنع يستخدمها مقاتلو «داعش» والمتمردون الأكراد.
أيضا اغتيل يوم الأحد الماضي المعارض الإيراني سعيد كريميان في إسطنبول ومعه شريكه الكويتي، فإذا بطهران تطلب من أنقرة التحقيق في القضية لأن كريميان مواطن إيراني.
ثم هناك ما تردد من اقتراحات روسية بإنشاء أربع مناطق متدنية التوتر في سوريا: منطقة إدلب، وشمال مدينة حمص، والغوطة الشرقية، وجنوب البلاد.
وكانت تركيا لاحظت أنه بعد قصفها للأكراد في سوريا، أقدمت روسيا والولايات المتحدة الأميركية على نشر قوات إضافية على حدودها مع سوريا لحماية الأكراد من غارات أخرى. وهي تدرك أن العامل الوحيد، ربما، الذي يجعل الأميركيين والروس يتعاونون في سوريا هم الأكراد الذين تعتبرهم أميركا «قوات برية أميركية على الأرض»، وبالتالي يحتاجون إلى دعم. وربما ما يريحها أن كل شراكة سابقة ما بين الأكراد والروس لم تنته نهاية جيدة.
إضافة إلى كل ما تقدم من المشاغل التركية الأمنية، هناك المواقف الأوروبية من السياسات التركية، من هنا، فإن الحكومة التركية لا تعطي الأولوية لمشكلات «حماس» لديها، في الوقت الراهن. بدلاً من ذلك فإن الرئيس رجب طيب إردوغان ووزراءه يضعون مواطنيهم أولا، ويركزون على حمايتهم من «داعش» ومن السياسات الأوروبية التي يشعرون بأنها تؤذيهم، ومعالجة أزمة اللاجئين على أرضهم وفي بيوتهم، ثم المشكلات مع إيران المتمددة خارج حدودها، والمواقف الروسية غير الواضحة، والأميركية المتشددة، ثم إن إردوغان يستعد لزيارة الصين لعقد اتفاقيات تجارية تحمي الاقتصاد التركي.
كل هذا لا يترك وقتاً لتصاب أنقرة بقلق بشأن الأمن الشخصي لكيان أجنبي سمحت له بالعمل في تركيا، فإذا بذراع له تعمل مع إيران. صحيح أن «حماس» قريبة من قلب الرئيس إردوغان ومساعديه، وتاريخه الحديث يشهد بذلك، لكن في ظل المناخ الدولي فإن مجموعة «حماس» في تركيا، متروكة لتدافع عن نفسها، ومن المؤكد أن هناك من قد يستفيد من هذا الوضع.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صحيفة “الشرق الأوسط” اللندنية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى