أخبار ليبيا

“الهازل” لـ”218″: أرشيفنا يحتوي 27 مليون وثيقة تعدّ خزانة ليبيا المُهمّة

خاص 218| خلود الفلاح

الباحث علي الهازل، أستاذ تاريخ ليبيا الحديث والمعاصر في الجامعات الليبية، وعضو مجلس إدارة المركز الوطني للمحفوظات والدراسات التاريخية، والمتحدث الرسمي باسم المركز.

في هذا الحوار، يقول علي الهازل إن الشعوب تعود إلى تجارب الماضي لغرض استخلاص العبر والدروس ومحاولة الاستفادة منه؛ لذلك نجد العديد من الدول تهتم بمسألة تكوين أرشيف وطني للمحافظة على الهوية التاريخية للبلد.

وفي وقت سابق، كان “الهازل” قد وضع حدًا للأزمة بين المركز ومحاولات هيئة الأوقاف التابعة لحكومة الوفاق بالاستيلاء على المبنى بالكشف عن امتلاك وثائق تاريخية رسمية تثبت أن قطعة الأرض المقام عليها المركز ملك لبلدية طرابلس منذ حقبة الأربعينيات من القرن الماضي.

وقال: وصلتني وثائق باللغة الإيطالية تؤكد أن الأرض المقام عليها المركز هي ملك لبلدية طرابلس منذ شهر نوفمبر عام 1942م”.

البداية

– الأرشيف الليبي الموجود في المركز الوطني للمحفوظات والدراسات التاريخية. ماذا يتضمن؟ وبعد الذي تعرض له المركز. هل يمكن القول إن الذاكرة التاريخية الليبية تحت التهديد؟

· الأرشيف الليبي يحتوي على 27 مليون وثيقة أصلية ومصورة من القرن السادس عشر وحتي اليوم. به وثائق عثمانية، وايطالية، وبريطانية، وفرنسية، وروسية، وعربية من تونس والجزائر ومصر وسوريا. وفيه أيضًا وثائق من تشاد والنيجر ومالي. وهو يعتبر خزانة ليبيا الارشيفية وبه أيضًا 16 ألف خريطة من العام 1510م، وحتى اليوم.

أما بخصوص ما يحدث الآن؛ فلا أتصور أن الأمر قد وصل إلى حد الخوف من ضياع الأرشيف، ليبيا مازال بها رجال ونساء لهم القدرة في الحفاظ على هذا الإرث. وفي تقديري هذا الوقوف الرائع من الجميع كان في صالح الأرشيف الليبي، جعل التفكير أو مجرد التفكير في الضغط على المركز مرة أخرى قد تكون محاولة للانتحار من أي طرف كان من الداخل أو الخارج.

– في واقع الفوضى اليوم؛ كيف يمكن حماية هذا الأرشيف الذي يحفظ للتراث الليبي هويته؟

· في الواقع هذا الموضوع شائكٌ جدًا ويحتاج إلى جهود الكل الدولة والمجتمع، الناس اليوم على واعي كامل بأهمية أرشيفنا، وعندما أقول الناس أعني بذلك المثقف والباحث والأستاذ الجامعي وطالب الدراسات العليا، النساء والرجال، الآن يجب على الدولة القيام بواجبها من حيث توفير وسائل الحماية المادية وأيضا توفير أجهزة التصوير الرقمي وكل ما يصب في هذا الشأن، اليوم ليس أمامنا إلا قدرة رب العباد أولاً وتفهم أهلنا في ليبيا لأهمية الأرشيف الليبي، وهذا ما شاهدناه خلال الأيام القليلة الماضية فشكرًا للجميع.

– ما هي الصعوبات التي تعترض الباحث في عمله؟

· الصعوبات التي تعترض الباحث في بلادنا هي قلة الاهتمام به كباحث من حيث توفير سبل وإمكانيات البحث التي تعتبر أساسية مثل الحصول على جهاز الحاسوب، أيضًا الباحث يفتقد إلى جهة داعمة تشرف على نشاطه العلمي مثلا أنا ومجموعة من الزملاء نقوم بإصدار مجلة علمية تصدر عن مكتب الثقافة والمجتمع المدني بالزاوية صدر منها حتى الآن ستة أعداد وهي دورية تصدر مرة واحدة في السنة، هذه المجلة تصدر على حسابنا الخاص، نحن ندفع ثمن الأعداد من جيبنا الخاص، وهذا قليلٌ من كثير.

– في ظل ما يشهده العالم من تطورات تكنولوجية وعلمية. هل هناك أهمية للمباحث التاريخية؟

· نعم؛ بالرغم من التقدم الهائل والتطورات التكنولوجية يظل المصدر سواء وثائق، كتب، رواية شفوية، صورة، عناصر مهمة جدا وذلك عدة أسباب لعل أهمها:

ـ أن من يقوم بإعطاء المعلومات إلى التكنولوجيا هو الإنسان.

ـ لابد من العودة إلى الأصل في الشك والاختلاف.

ـ قد لا يُعتدّ بما موجود في وسائل التكنولوجيا لتأكيد مصداقية المصدر فعلى سبيل المثال المحاكم لا تقبل الأوراق التي مصدرها النت أو وسائل التواصل الاجتماعي، تشترط العودة إلى الأصل.

ـ تجميع التاريخ الشفاهي للجهاد، ونشره في مجلدات بعنوان (موسوعة روايات الجهاد)، ما هي أهمية الرواية الشفوية في توثيق التهجير القسري لليبيين؟

ـ الرواية الشفوية لها أهمية خاصة جدا في تاريخنا على الأقل خلال فترة الاحتلال الإيطالي بسبب أننا لم نوثّق أو لم يقوم أحد بكتابة الأحداث التي جرت في أثناء الاحتلال الإيطالي إلا في القليل النادر لذلك كان لابد من اللجوء إلى الرواية الشفوية من الذين شاركوا في كل تفاصيلها فيها معلومات كثيرة عن المعارك وعن القتل الجماعي والنفي والمعتقلات وبقر بطون النساء الحوامل لمعرفة ما في البطون واستخدام الغازات السامة والقنابل الحارقة والكثير من المعاناة. الهدف من نشر تلك الروايات إتاحة الفرصة لكل الناس من الاطلاع على تاريخهم. من خلال المشاركين في أحداث حركة المقاومة، وكذلك هي أداة ضغط سياسي في أثناء التفاوض من أجل التعويض عن فترة الاستعمار وقد وصل عدد الروايات الموجودة اليوم في المركز “15 ألف” رواية شفوية، أما عن كيفية التعامل مع تلك الروايات فهذا يعود إلى الباحث ومدى قدرته على استخلاص المعلومات وعقد مقارنات لها مع المصادر الأخرى، والجدير بالملاحظة أن المعلومات الموجودة بهذه الروايات قد لا توجد في غيرها من المصادر الأخرى.

– ما هي إشكالية التاريخ الشفهي؟ وما هي تجاربنا الليبية في هذا المضمار؟

· من واقع التجربة الشخصية فقد قمت من خلال عملي بالمركز كباحث بقسم الرواية الشفوية بإجراء أكثر من 700 مقابلة شفوية مع من شارك في حركة المقاومة الليبية ضد إيطاليا، يجب على الباحث عدم وضع النتائج مُسبقًا ومُطالبة الشاهد بالإجابة وفق تلك النتائج.

هناك إشكالية أخرى تكمن في أنه مهما كانت الرواية قريبة من الواقع الذي حدثت فيه تظل عند البعض قاصرة وهذا راجع إلى ما يسمى بالثقافة المُرتدة أي وجود معلومات عند الناس حصلت عليها من قراءة الكتب خصوصا التي كتبها الأجانب. ما كتبه “قراتسياني” أفضل من كل ما كتبه الليبيون، أضيف إلى أن ما كتبه “قراتسياني” في مذكراته تختلف عن التقارير الرسمية المرسلة إلى الحكومة الايطالية في روما، وهنا يبرز سؤال ما الفرق؟ الإجابة تكمن في أن هذه التقارير يرسم من خلالها “قراتسياني” سياسة الدولة تجاه الحرب في ليبيا. أما في المذكرات

يكتب ما يريد، وأيضًا قد تكون الرواية مبنية هي الأخرى على الثقافة المرتدة، وهنا يجب على الباحث الانتباه لذلك، أما تجاربنا؛ فأعتقد أنه ليس لدينا تجارب بشكل مؤسسي باستثناء تجربتي جامعة بنغازي ومركز الجهاد، كل التجارب السابقة كانت فردية مثل محاولة الدكتور محمد سعيد القشاط، والأستاذ علي مصطفى المصراتي وغيرهما.

– تاريخنا المنسي والمهمش، كباحثين ليبيين ما هو دوركم في البحث عن هذا التاريخ؟

· هذا هو شغل الباحثين في المركز تجميع كل ماله علاقة بتاريخنا، ولكن تظل هناك مشكلة وهي من يقوم بالكتابة على مئات القضايا والمواضيع والتي قد يرى البعض أنها تدخل في التاريخ المهمش؛ فالمسألة لها علاقة باختيار الباحث لأنه هناك قضايا تأخذ وقت طويل من حيث الأعداد.

نقطة أخرى أعتقد أنها مهمةٌ عندنا أغلب الباحثين خاصة الذين يرغبون في الحصول على الشهادات العليا الوقت ليس في صالحهم، على سبيل المثال الزميل عمار جحيدر ظل ما يزيد عن 35 عامً في تحقيق اليوميات الليبية من تأليف الفقيه حسن، فأمثال “عمار” قليلون الآن.

في الوقت الحالي؛ أعمل، ومجموعة من الزملاء، على إعداد موسوعة معارك الجهاد في ليبيا أكملنا الجزء (1911 ـ1913م )، بعد عمل ثلاث سنوات ويتبقى جزءان.

نقطة أخرى؛ لا أعتقد أن المُهمّش اليوم يكون واضحًا غدًا مادام الإنسان حيًا، ومن الصعوبة بمكان أن يستطيع الباحث الإلمام بكل القضايا في زمن واحد أو يكون مطلوبًا منه الكتابة عن كل شيء له علاقة بتاريخنا.

– قصيدة (ما بي مرض غير دار العقيلة) لرجب بوحويش. هل يمكن اعتبارها وثيقةً تاريخيةً عما حدث في معتقل العقيلة؟

· القصيدة موضوع السؤال تعتبر مهمّة جدًا في رسم صورة دقيقة عما كان يجري في معتقل العقيلة، وفي هذا السياق نفسه توجد العديد من القصائد التي توثّق لبعض الأحداث الأخرى، نذكر هنا قصيدة الشاعرة فاطمة عثمان من سكان واحة هون تشرح فيها ما جرى في الواحة وسكانها عقب معركة “قارة عافية”، والتي جرت العام 1928م، وتصف في القصيدة نفسها كيف تم إعدام 19 شخصًا، بينهم طفل لم يتجاوز عشر سنوات، وتصف أيضًا كيف قامت السلطات بنفي كل سكان “واحة هون” إلى تاورغاء.

وأيضًا هناك قصيدة عامر المعطف الذي نُفي إلي جزيرة “وبونزا” يشرح فيها حالة المنفيين في تلك الجزيرة وغيرها، وإضافة إلى ذلك هناك قصيدة أخرى تصف أحداث معركة خرمة أبو غرة الثانية التي جرت العام 1923م، عرفنا من خلال تلك القصيدة أعداد المجاهدين المُشاركين فيها وقبائلهم.

أؤكد أن الشعر الشعبي يظل مصدر مهمّ جدًا في حركة المقاومة الليبية، وقد قام المركز الليبي للمحفوظات بإصدار ثلاثة كتب خاصة بالشعر الشعبي ودوره في المقاومة.

– قيل إن الحكومة الإيطالية قد أتلفت الجزء الدموي من تاريخها الاستعماري في ليبيا، هل يمكن الاعتماد على شهادات من عاصروا تلك المرحلة؟

· أنا لم أسمع بهذا الأمر بشكل رسمي، ما أعرفه، وعلى يقين تام بمعرفته، أن هناك الكثير من المتعاونين معنا، ويُطالبون باستمرار الحصول على الوثائق من الأرشيف الإيطالي. وكان لنا تعاونٌ علميٌ كبيرٌ مع معهد دراسات أفريقيا والشرق مقره في مدينة روما وقد ساعدنا المعهد في الحصول على ما نرغب من المعلومات والوثائق.

واختتم الباحث بالقول: على أي حال؛ سواءً تام الإتلاف أم لا، فإن التاريخ الشفوي يظل مهمًا بالنسبة لتاريخ حركة المقاومة، وكمثال على ذلك ففي العام 1929، قُصفت منطقة “تازربو” بالغازات السامّة من قبل سلاح الجو الإيطالي، ومعرفة نتائج ذلك القصف كانت عن طريق الرواية الشفوية من أحد الذين خرجوا سالمين من القصف.

———- Forwarded message ———

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى