كتَـــــاب الموقع

الزغرودة الأخيرة

سالم العوكلي

حين وضِعت بهيجة على منصة الإعدام مع أربعة رجال آخرين تتدلى أمامها الأنشوطة، حَدَّقتْ من خلال حلقة الحبل في الأفق الرمادي الممتد فوق الصحراء تحت سماء تعكر صفوها سحابات خريفية تسوقها الريح صوب الشرق، ودون أن تحني رأسها، أخفضت بصرها لترى طابور العسكر، والمتعاونين، وحشدًا جالسًا في الرمال الساخنة من الجياع، كان السل المتفشي يسم وجوههم بلون أصفر شاحب، ويسحب عيونهم داخل جماجمهم، فابتسمت لهم جميعًا كأنها في قلب احتفال يحفه المحبون، وقد تحول ذاك البؤس المغموسين فيه إلى هالة من الجمال يشبه رقع القماش الباهتة التي تزين البيوت من الداخل.

ربما ذاك الجمال نفسه الذي سماه الروائي الإسباني مانويل ريفاس في روايته (قلم النجار) الجمالَ السُلِّي لمرضى التدرن الرئوي، وهو يصف المعتقلين في أحد سجون فرانكو الوحشية، العينان واسعتان مثل جفنة مصباح منير وفي الخدين شحوب خزف مطلي بورنيش زهري، ومن باب تشابه أثر المعتقلات الفاشية تبنى الروائي هذا الوصف لمشهد الحشد الذي كان يحيط بمنصة الإعدام، مضيفا إليه مشهد الأطفال الذين كانوا في مواجهة الشمس الحارقة يفركون عيونهم من الطمز وقشور الرمد.

لَفّتْ بهيجة المشهد كله بنظرة حانية، وأطلقت زغرودة ارتعشت معها ابنتها وهي في حضن أم الخير في خيمة بعيدة، وهي تعرف تماما الرنين القوي والطويل لزغرودة أمها التي كم أطلقت لها العنان في أعراس النجع.

هكذا يتحدث الجميع وهم يؤلفون اللحظات الأخيرة من حياة بهيجة بما يليق بها، ويضيفون: حين سأل باريلي عن السبب قالت للمترجم: أزغرد فرحًا لأنني أصبحت ندًا لروما. ولا أحد يعرف إذا ما نقل المترجم كلماتها بأمانة، أم حرّفها تضامنًا مع غطرسة باريلي وهو يحدق في مجد روما من خلال حلقات حباله التي تمر بها رقاب الجياع، مَن يشعون في ذلك الوقت بجمال سُلِّي يلمع تحت شمس الضحى.

مع غروب الشمس؛بدت الأجساد المعلقة التي لم يترك منها الجوع سوى جلد وعظام كثياب بيضاء منشورة على حبل غسيل، إلا جسد بهيجة الطويل والمكتنز الذي لاح بردائها الداكن كلطخة سوداء على وجه السماء في العتمة التي يكسر سوادها محاق يضيء حواف سحاب الخريف الممزق بهالة خافتة، وكان رحيل واقفًا أمام خيمة عمته الشاعرة يتأمل من خلف رقاقة دمع حارن في عينيه جسدَها المتأرجح الذي طالما لاحقه في طرق الماء والحطب واستحلب من خيالاته نشوته، حين اجتاحته فجأة رائحة قرنفل كثيفة، أغمض عينيه ليستنشق بهما أكبر قدر من الرائحة معتقدًا أنها تأتي من هلوسات ذاكرته، إلى أن لامست أصابع الشاعرة كتفه، فاستيقظ من حلمه والتفت إليها، وبعينين دامعتين؛ دست في راحته المرتعشة عقد القرنفل، وعادت لتواسي نحيب الابنة اليتيمة التي أصبحت منذ ذلك اليوم ابنتها. كانت الشاعرة هي الوحيدة التي ترقب وتعرف مشاعر رحيل تجاه بهيجة. تلك المشاعر الخرساء التي لا يعرفها أحد، ولا حتى بهيجة نفسها التي ربما فهمت من نظرات رحيل في أمسية الشاي مجرد شهوة مراهق خلوي قد تثيره حتى مؤخرة فرس.

بهيجة، التي قررت منذ صباها أن تنتمي لهذا الوسط المتبجح من الذكور وتنافسهم في كل ما يصبغ عليهم صفات الفرسان؛ أطلقت زغرودتها التي شحنتها بكل مكبوتها الأنثوي، احتفالاً بهذا المجد الذي سخّرت كل حياتها للوصول إليه، حين انتصبت قامتها في النهاية فوق منصة العقاب رفقة ثلاثة رجال من فرسان البدو ونبلائهم.

كان والده يحدثه مرارًا بفخر عاشق قديم لم يستطع البوح بمشاعره أمام هذه القلعة الموصدة والمحصنة بمتاريس من العناد والفتوة، عن تلك الزغرودة التي دوت في قلب العنجهية الفاشية، وصدعت جبروتها المتباهي بإمبراطورية تزحف فوق جثث الجياع في الشمال والقرن الأفريقي.

وكلما تحدث والده عن بهيجة حدق الروائي في عقد القرنفل المزين بخرز أخضر على صدر أمه، حاملا سؤاله الذي لم يجب عليه أحد : هل هو نفسه عقد بهيجة ؟. لا أحد يعرف. وليس للروائي رغبة في أن يجيب عن هذا السؤال حتى في روايته المسموح لها أن تملأ كل البياضات التي تركها الساردون العفيون مشرعة للحدس.

 

* فصل من رواية “جريمتك يا قرنفل”. سالم العوكلي ــ عن دار النسيم للنشر والتوزيع

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى