مقالات مختارة

الحوار بالصواريخ

فضيلة الجفال

ظهر شاب سوري في مداخلة على CNN، وهي المحطة المهاجمة لترمب من بين عدد من وسائل الإعلام الأمريكية منذ فترة الانتخابات. كانت المحطة تتوقع أو تدفع الناشط إلى قول رأي يعكس سياستها بطبيعة الحال. رأي مثل ما قالته هيلاري كلينتون قبل أيام إن ما فعله ترمب بدافع إنساني نفاق إذا كان في المقابل يرفض استقبال أطفال سورية كلاجئين. إضافة إلى استعراض المظاهرات التي حاولت إهانة موقف ترمب وتشويه الدافع الإنساني للعملية بأنه رافض لاستقبال اللاجئين. إلا أن السوري قال: “النفاق هو أننا لم نسمعكم في مرات سابقة حين قصفنا بالكيماوي وراح مئات من الضحايا، ولم نر أي فعل من الرئيس السابق أوباما وإدارته. لا نريد أن نأتي إلى أمريكا لاجئين. نريدكم أن تساعدونا أن نبقى في وطننا وأن تبنوا مناطق آمنة. أريد أن أشكر الرئيس ترمب وأقول له إن ما قام به رسالة قوية من الأمل”. ما قاله هذا المواطن السوري هو بالضبط ما شعر به الأغلبية من مؤيدي الضربة العسكرية ضد نظام الأسد، والذين هزتهم ككل مرة أحداث ومواجع ودمار سورية، ولا سيما بعد مجزرة الغوطة في آب (أغسطس) 2013 حين قصفهم الأسد بغاز السارين وراح ضحيته أكثر من 1400 شخص، بينهم عائلات بأكملها. وكان أوباما قد تعهد برد من المجتمع الدولي في حال تخطى بشار الأسد “الخط الأحمر” واستخدم السلاح الكيماوي ضد المدنيين. كان ذلك الحدث علامة فارقة في تاريخ الصراع السوري. تعهد بعدها الأسد بتسليم ترسانة أسلحته الكيماوية لينجو من عقاب أوباما. إلا أن جل اهتمام أوباما حينها كان رضا طهران لتقديم تنازل في مفاوضاتها مع المجتمع الدولي حول برنامجها النووي. وكان المجتمع الدولي ينتظر استراتيجية ترمب الجديدة، إلا أن تصريحات ثلاثة من كبار أركانه بأن القبول ببقاء الأسد هو من باب “الواقعية السياسية” أعطت رسائل مختلطة بداية. ولربما كان استخدام غاز السارين الأخير في خان شيخون اختبارا لمدى جدية هذه التصريحات الأمريكية. لكن الرد الأمريكي جاء عمليا بالصواريخ، وقد كثر الحديث حول الخسائر المادية التي أحدثها 59 صاروخا من طراز توماهوك من البارجة الأمريكية إلى قاعدة الشعيرات السورية، أو حتى البشرية وهي ستة قتلى من قوات الأسد. لكن الفعل السياسي الذي أحدثه هذا القصف أكبر بكثير من الفعل العسكري. والأضرار السياسية لهذه العملية تركت آثارها عميقا في روسيا وإيران. ترمب ولا شك أعاد الهيبة الأمريكية واستطاع بالفعل أن يوجه عددا من الرسائل النارية. وقد أشاد بترمب الذي دفن سياسة التخاذل الأوبامي، عدد كبير من النخبة السياسية في أمريكا. مجزرة شيخون الكيمياوية كانت اللحظة الحاسمة في تحديد مسار السياسة الأمريكية الجديدة ليقول للأسد وحلفائه “لقد انتهى زمنكم الرديء”. لقد تغيرت قواعد اللعبة ولا معنى لأي تفاصيل أخرى. وقد خرج بعد العملية العسكرية بيومين بيان روسي – إيراني مشترك، لم يبتعد في لغته أبدا عن كبرياء روسيا ولا عن أسلوب إيران وخطابها التقليدي الصلف. لكن المثير هو التهديد واللغة المبتعدة عن الدبلوماسية ضد واشنطن بالقول “إن ما قامت به أمريكا من عدوان على سورية تجاوز للخطوط الحمراء، فمن الآن وصاعدا سنرد بقوة على أي عدوان وأي تجاوز للخطوط الحمراء من قبل أي كان، وأمريكا تعلم قدراتنا على الرد جيدا”. ويمكن قراءة لغة البيان بأنها لغة المضطر الذي يناور في لحظات الحسم. لكن يبقى السؤال والترقب حول الخطوات التي ستتخذها واشنطن بعد العملية العسكرية لاحقا، وهي التي ستحدد شكل القادم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صحيفة “الاقتصادية” السعودية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى