مقالات مختارة

 عمروصيّات (12)

بشير زعبية
لشتاء العمروص نكهته، ولسعته أيضا، ولبرده ومطره ولياليه إحساس خاص لدينا نحن الصبية، في بيوته المشرعة على السماء، لا سقف يقلل من لسعة البرد وصوت الرّيح، وإيقاع المطر إذ ينهمر، مستهلّا هطوله برخّات يتهيأ لك أنك تستطيع عدّ (تكّاتها) لحظة ارتطام حبّاتها ببلاط أرضية وسط البيت المكشوف، وأسطح الغرف، قبيل أن يتسارع الإيقاع ويشتد، ويتّحد صانعا صوتا واحدا متواصلا، كشلّال تتخيّله يمر من تحت رأسك مباشرة، ساعتها نلوذ بأنفسنا ونتكور تحت اللّحاف، ما يجعلك تحسّ في داخلك المعنى الحقيقي للحالة الشتوية، أتذكر أن أبواب معظم غرف البيوت العمروسيّة لا تقفل، وهي أبواب مكونة من ضلفتين متساويتين، إحداهما مثبّتة إلى الأرض برتاج عمودي، والأخرى حرّة تستخدم أثناء الدخول والخروج إلى الغرفة، وأحيانا كثيرة تكون ضلفتا الباب متحرّرتين، فيمكنك فتحهما أو إغلاقهما معا، في هذه الحالة لا تنطبق الضلفتان بالضرورة تماما، فيصنع ما بينهما فراغا على هيئة شق طولي يتيح لك رؤية حيزا من مربّع وسط البيت المكشوف، هنا بالضبط، وبنصف اتّكاءة مستندا حائط الغرفة ووجهك نحو بابها، ستعيش حالة ليلة شتاء عمروصيّة، يمكنك بهذا الوضع رؤية مشهد المطر المنهمر راسما خيوطا قطريّة رفيعة من الماء، لامعة على قدر ما يتيحه انعكاس ضوء المصباح الخافت في الخارج، وستأخذ تلك الليلة الشتوية معها أكثر، إن حدث وتساقط البرد، وهو ما نسمّيه (التبروري)، عندها ستحسّ بمتعة تنسيك إلى حين إحساسك بالبرد المحيط، وحين تتراجع ضلفتا الباب إلى الداخل قليلا بفعل حركة الرّيح، ويتّسع ما بينهما من فراغ، تتسع معها رؤية المشهد، لترى حبيبات البرد وهي تتقافز وتتناثر وتتلألأ أحيانا كحبّات البلّور، ويحدث أن تجد بعض الحبيبات طريقها إلى داخل الغرفة عبر ذلك الفراغ لتستقرّ عند قدميك اللتين لا يفصلهما عن عتبة الباب أكثر من متر واحد، إذا كان وضعك وأنت نائم عرضيّا، فغرف بيوت العمروص متشابهة، طوليّة ولا يتجاوز عرضها المترين ونصف المتر.
بين متعة الحالة، والتمني بأن يحتفظ (التبروري) بشكله حتى الصّباح ليتسنى الاحتفاء به مع بقيّة الصبية، تشدّ اللحاف حول نفسك، ثم تغفو على مزيج أصوات الرّيح والمطر والمياه المنسكبة عبر ميازيب البيوت مشكلّة جداول متداخلة تجري على امتداد أزقّة الحارة الضّيقة.
وفي الصّباح نركض نحو الشّارع ونلتقي، كأننا على موعد مع شيء ما نخشى أن يفوت فلا نراه، كلّ يروي وقائع اللّيلة التي مضت بطريقته الخاصّة، نسعد بالحركة ونحن نتخطى جداول بقايا المياه والبرك الصغيرة التي خلفتها، تبهجنا إشراقة شمس الصباح الشتوي، وانعكاساتها اللامعة على سطوح تلك البرك، وزقزقة العصافير، فيما يبدأ يتشكّل قوس قزح هناك في الأفق فيبعث فينا لأسباب لا نعرفها إحساسا بالفرح والتّفاؤل..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن صفحة الكاتب على موقع فيسبوك

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى