كتَـــــاب الموقع

النفاق يُكرِّم الفساد

سالم العوكلي

أتابعُ باستمرار برنامج (البلاد) الذي يُقدّمه الفنان والإعلامي خليل الحاسي، وهو برنامج مهم يحظى بمتابعة الكثير من الليبيين.. تطرقت حلقة البرنامج يوم 1 نوفمبر لقضايا مهمة جداً تتعلق بالقانون حين يستخدم فجأةً للدفاع عن دولة اللاقانون، ولا يُرفع كشعار إلا حين يحس الخارجون عن القانون بالخطر على مصالحهم، ولليد الطولى لمن كانوا ضد ثورة فبراير في السلطات ما بعد فبراير، ولجريمة قفل المطارات وما أدت له من كوارث تتعلق بالحياة الإنسانية، ولكن ما سأتوقف عنده قليلاً هو ظاهرة التكريم المجاني التي أصبحت تستغرق كل وقت المسؤولين لدرجة ما عادوا يملكون وقتاً للقيام بمهامهم التي يأخذون مقابلها مرتبات فلكية. وهذه الظاهرة من تكريم أو تكرير الرداءة، كانت متفشية فترة النظام السابق، وهي نوع من النفاق والتزلف من قِبل الحاشية أو المستفيدين من هذه السلطات من أجل قضاء مصالح شخصية لا أكثر ولا أقل، والابتسامات التي تنتشر في مواقع التواصل مع الشهادات المذهبة والكؤوس، تُشكّل في مجملها حالة ضحك أو قهقهة من الليبيين المغلوبين على أمرهم، وهم يرون مَن وضعوهم في قلب المعاناة والخوف يُكرمون وتُصبغ عليهم الألقاب المفخمة، وهم يعرفون أن هؤلاء المكرمين يعيثون في الأرض فساداً ويسوقون هذا الكيان ومحتواه البشري صوب الهاوية. مثلما كنا نتابع فترة النظام السابق التكريم الدائم للصوص والمختلسين من أمناء اللجان الشعبية أو غيرهم من المسؤولين، وهذا المناخ الهزلي هو ما خلق بيئة مشجعة للفساد طالما العقاب غير وارد، بل أصبح يستحق المكافأة.

أذكر أننا في جمعية البيت الثقافي حاولنا أن نعيد لمفهوم التكريم اعتباره، وسط هذا الهوس الجماهيري بتكريم أي أحد وعلى لا شيء.. فكرّمنا، عام 2009، أشخاصاً كانوا يعملون بإخلاص في الظل: المعلم الفلسطيني عباس مرشد الذي أعطى لعقود في التعليم في درنة دون أن يغيب عن حصة واحدة، وكان يتطوع لدروس التقوية في المساء، وكانت سيرته التي ترافق التكريم كأنها خرافة، ومن حكاياته الملهمة التي رواها مدير المدرسة، أن زوجة المعلم عباس مرضت ونُقلت إلى بنغازي، فكان يذهب إليها في المساء ويعود ليلاً حتى لا يتغيب عن حصة (600 كيلومتر ذهاباً وإياباً) وفي أحد الأيام جاء للمدرسة وأعطى الحصة الأولى والثانية، وذهب للمدير ليطلب إذناً عن تخلفه عن الحصة الخامسة، واستغرب المدير لأنه خلال 20 سنة أول مرة يتغيب عن حصة، فسأله عن الظرف، فقال له زوجتي توفيت والدفن على الظهر، وفي اليوم التالي كان أول من جاء للمدرسة.
كما كرّمنا المعلم مصطفى القزيري الذي وهب من عمره عقوداً في التدريس وإدارة المدارس بروح تربوية ونزاهة يتحدث عنها الجميع، إضافة إلى شرطي مرور في درنة عاشق لعمله، وكان الجميع يراه في العطلات وأيام الأعياد في تقاطعات الطرق يُنظم السير بروح محبة وابتسامة دائمة، وكثيراً ما يرى أمام المدارس الابتدائية الواقعة بقرب الطريق يساعد الأطفال على العبور خارج حتى دوامه الوظيفي. والرابع كان مدير مستشفى طبرق المركزي إبّان تلك الفترة الذي جعله مؤسسة طبية مميزة بمساعدة فريق اختاره ليكون المستشفى مقصداً لكل المحيط من القرى والمدن، ويُوفر عليهم الذهاب للعلاج في كثير من الأحيان في الدول المجاورة والبعيدة، وكان المستشفى نموذجاً يبهر كل من تعامل معه أو زاره.

تكريم الممرضات (السوريلات) اللائي قضين عقوداً من أعمارهن في خدمات طبية وإنسانية لسكان المدينة ولأربع وعشرين ساعة، حيث تحوّل منزلهن إلى قسم طوارئ، وكن طيلة عقود يضعن نصف مرتباتهن في حساب بإحدى الصيدليات لتقديم الدواء لمن لا يستطيعون دفع ثمنه.

وفي الأحوال جميعها كان التكريم تقديراً للمنجز الذي يرفق في مطوية مصاحبة تعرض سيرة تستحق هذا التكريم. وفي العالم دائماً التكريم يعني تقدير التميز أو العمل التطوعي خارج الدوام، وليس مقابل عمل مهني يُتقاضى عليه مرتباً.
عرض برنامج البلاد صوراً غزيرة لتكريم رئيس الحكومة ورئيس المجلس الرئاسي رغم أنهم لم ينجزوا أي مهمة مكلفين بها، من مهام تهيئة المناخ لانتخابات ديسمبر القادم، بل إنهم جاءوا للسلطة عن طريق المال الفاسد كما أكد مراقبون من الأمم المتحدة وشهود عيان داخل فندق الصفقات، وما بُني على باطل فهو باطل، وتظل ليبيا الدولة الوحيدة التي يكرّم فيها الباطل. ولكن كما أكد خليل هو تكريم خالٍ من المعنى ومجاني وهزلي، ومعظم المكرمين، من العدل أن يكونوا وراء القضبان، وليس أمام أضواء الكاميرات المحتفية بهم.

حين دُعيتْ إنجيلا ميركل للتكريم في بلدتها الأصلية، اعتذرت وقالت أنا لم أُقدم ما أستحق عليه التكريم، وكل ما قمت به عملي الذي أتقاضى عليه مقابلاً. رئيس وزراء سنغافورا، لي كوان يو، لم يُكرّم إلا بعد تقاعده من العمل، وهو الذي جعل سنغافورا التي كانت تُسمى جزيرة البعوض من أفضل عشرة اقتصادات في العالم.
رؤساء أمريكا الذين جعلوها أقوى دولة على مرّ التاريخ بأكبر اقتصاد في الكون، وأوصلوها إلى القمر، كانوا يُنتقدون بحدة طيلة ممارسة وظيفتهم، بل ويُشتمون أحياناً، ويظهرون في رسوم الكاريكاتير طيلة فترة إدائهم لوظائفهم لأن الشعب يراهم موظفين لديه، وإذا نجحوا فهذه مهمتهم المكلفين بها، وأي إخفاق أو تقصير أو خطأ يرتكبونه سيكونون عرضة للنقد والمقاضاة والمحاسبة وحتى العزل من المنصب. والقائمة تطول بمن كرمهم التاريخ وليس الحاشية.
الأمر كله متعلق بالخجل، ومن يَرضى بالتكريم دون أن يُقدّم شيئاً فهو إنسان لا يخجل، ومن يُكرِّم شخصاً لم ينجز شيئاً فهو أيضاً لا يخجل، ما بالك بتكريم أشخاص ينخرهم الفساد ويسوقون البلد إلى الهاوية. وإذا لم تخجل فافعل ما تشاء. لكن التاريخ له طريقته الخاصة في الحُكم، وسيُكرّم من استحق التقدير، ومن خان مهمته ورسالته سيضعه في مزبلته هو وحاشيته وشهادات التقدير والكؤوس التي تلقاها في كرنفال النفاق الذي لن يتوقف طالما المنافقون يمارسون مهنتهم المحببة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى