مقالات مختارة

الطريق إلى أستانة!

رضوان السيد

أستانة أو أستانا، هو الاسم التركي للعاصمة الجديدة التي بناها الرئيس الكازاخي بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وانفصال الجمهوريات الآسيوية القوقازية عن روسيا، وقيام دولة كازاخستان المستقلة. وللتذكير فإنّ الأستانة كانت اسماً من أسماء عاصمة الدولة العثمانية، مثل إسطنبول أو إستانبول، وتعني دار السلام.
إنّ المقصود هنا ليس الحديث عن الدولة الكازاخية الجديدة، وهي أهم جمهوريات آسيا الوسطى وأقربها إلى روسيا بوتين، بل المقصود التأمل في اختيارها مكاناً لمفاوضات حلّ الأزمة السورية، وما يعنيه ذلك بالنسبة لسائر الأطراف، وهل للحلّ أُفُق؟
إنّ اختيار العاصمة الكازاخية يعني بالطبع السيطرة الروسية على مفاصل حلّ الأزمة السورية، ويعني أيضاً قوة موقع تركيا في هذا الحلّ إن كان. فالدولة الكازاخية صديقة لتركيا أردوغان، وهي حليفةٌ حتى في مواجهة «غولن» ضمن العالم التركي لتلك الجمهوريات. وما أعنيه أنّ روسيا ليست غريبةً عن كازاخستان، وكذلك تركيا. ولا شك أن الاختيار كان مشتركاً للتهرب من جنيف، لأنّ الأخيرة تعني السيطرة الغربية على المحادثات، وما عاد الأمر كذلك بعد التدخل العسكري الروسي في سوريا قبل سنتين. وفي السنوات العشر الأخيرة صارت كازاخستان بيئةً لمؤتمرات إقليمية وعالمية حول الاقتصاد، وحوار الحضارات، ومكافحة التطرف، وربط أجزاء العالم التركي، والتلاقي ضمن هذا العالم مع روسيا الاتحادية.
لقد كانت العواصم الغربية مكاناً للمفاوضات عندما كانت الولايات المتحدة تلعب الدور الرئيسي، ولم تعد مكاناً عندما تغيرت توازُنات القوة، فتقدمت روسيا باعتبارها قوةً غلاّبةً، وتمثّل النظام السوري (والإيرانيين!). وتقدمت تركيا باعتبارها ممثلاً (اختاروا تعبير الضامن!) للمعارضة السورية المسلَّحة، ولمصالحها كمتضرر من تصدع النظام السوري وظهور الأكراد والدواعش على حدودها.
لقد كانت الأولوية، لو كانت السلطة السورية رشيدةً، أن تكون الاجتماعات في دمشق. لكنّ الأسديات لا تقبل أي مفاوضات مع من يعتبرون أنفسهم معارضين. لذلك ذهبت المفاوضات إلى الجامعة العربية بالقاهرة. وأرسلت الجامعة مراقبين ثم مبعوثين. لكنّ الأزمة استمرت في التصاعد، وقال النظام إنه لا يقبل الوساطات مع الإرهابيين. والمعارضون السياسيون والمسلحون ازدادت آمالُهُم في إسقاط النظام، وتركوا دمشق، ثم الجامعة العربية، لأنهم ما اعتبروها مفيدة في تحقيق هدفهم. ومن الجامعة ذهبت المفاوضات رأساً إلى جنيف، وحضرت سائر الأطراف ما عدا إيران، وكان الروس مقودين. لذا كان منطق «جنيف-1» الدخول في عملية لانتقال السلطة، بحيث يزول حكم الأسد خلال سنتين (2012-2014). وفهمت إيران الأمر فتدخلت فوراً عبر «حزب الله». وأمكن تثبيت النظام المتداعي لعام ونصف العام. وخلال ذلك فشلت المحادثات لأنّ الفكرة الانتقالية ما كانت تناسب الأسد والإيرانيين. ولأنّ تركيا كانت تساعد المعارضة، وكذلك الولايات المتحدة، فقد وصل الأمر إلى ما يشبه التوازن. ثم حصل ما يشبه الانقلاب في المشهد بظهور «داعش» والتدخل الغربي الكاسح. واعتقد الإيرانيون والروس أنهم سيفقدون الزمام في سوريا والعراق، فتدخل الروس تدخلاً ساحقاً في سوريا، وتوصلوا إلى إنقاذ نظام الأسد، ودفعوا المعارضة المسلحة إلى الوراء وما يزالون. فكان الخروج من حلب، وكان الانتقال من جنيف إلى كازاخستان.
هل للمحادثات أُفق؟ الأطراف الحاضرة عديدة. أما الرئيسيون فهم النظام والإيرانيون والسوريون المسلَّحون المعارضون. أما المعارضون السوريون السياسيون فمهمشون وقد لا يحضرون. لذلك فحظوظ «الحل السياسي» ليست قوية. وإيران تريد الأسد ولا أحد غيره. والروس يقولون لا بأس بسنتين أو ثلاث! وتستطيع تركيا فرض الأمن على حدودها ضد «داعش» والأكراد، لكنها ليست من القوة بحيث تفرض حلاً سياسياً. وبالطبع لا يمكن الحديث عن دور للعرب حتى وإن حضرت بعض دول الجامعة. فمن ليس له عسكر على الأرض، ليس له حق الكلام!
إن أهم ما يمكن للروس والأتراك فعله في هذه المرحلة هو تثبيت وقف إطلاق النار. وسيقبل النظام والإيرانيون ذلك إذا أمِنوا من المحادثات السياسية! أما الحل السياسي فيحتاج إلى توازن لا يتوافر إلا في جنيف وفي ظروف أُخرى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صحيفة “الاتحاد” الإماراتية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى