مقالات مختارة

فى شأن الصحافة الورقية!

عبدالمنعم سعيد

شرفت مرتين بإدارة مؤسستين صحفيتين: مرة مع مؤسسة الأهرام العريقة والكبيرة والقريبة من الدولة المصرية فى كل عصورها، ومرة مع مؤسسة «المصري اليوم» الشابة والفتية التى يعتبرها المؤرخون من علامات التغيير الكبير الذى جرى فى مصر مع العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين. وللحق فإن إدارة المؤسسات الصحفية لم تكن المهنة التى عملت بها قبل ذلك، والتى غلب عليها الطابع الأكاديمي والبحثي، سواء كان ذلك فى جامعات أو في مؤسسات بحثية، كان أهمها مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية الذي أدرته على مدى خمسة عشر عاما. ورغم ذلك فإن تعلم النظرة العلمية للأمور يجعل من إدارة مؤسسة عملا مثله مثل كل الأعمال الأخرى، خاصة أن الأمور الفنية الدقيقة لها أهلها الذين لو حسنت الاستعانة بهم لكان من الممكن تحقيق أهداف كبيرة.
هذه المقدمة كانت ضرورية للتعامل مع لب الموضوع، وهو أنه سواء كنتُ عضوا فى مجلس إدارة الأهرام خلال الفترة من ١٩٩٩ حتى ٢٠٠٥، أو رئيسا لمجلس إدارتها من ٢٠٠٩ حتى نهاية مارس ٢٠١١، أو بعد ذلك رئيسا لمجلس إدارة «المصري اليوم» فى ٢٠١٣، فإن معضلات الصحافة الورقية فى مصر، عامة وخاصة، هى من كبريات الأمور المسكوت عنها فى الحياة السياسية والإعلامية المصرية. وما نسمعه الآن من مشكلات كبرى تتعلق بأسعار الورق بعد ما جرى من انخفاض للعملة المصرية، ليس هو المعضلة الوحيدة التى تواجه الصحافة الورقية فى مصر. وربما كانت معضلة المعضلات هى أن الصحافة فقدت إلى حد كبير طبيعتها كمهنة يفهمها أصحابها على أنها كذلك، كما يفهمها المجتمع استنادا إلى هذه الحقيقة، وبنفس القدر الذى يستقر عليه الساسة فى المجتمع، سواء كانوا فى الحكم أو فى المعارضة. وبصراحة فقد اختلطت الصحافة بالسياسة فى الإدراك العام، وباتت تقسيماتها المعروفة من قومية إلى حزبية إلى مستقلة وخاصة نوعا من التنويه ليس عن المهنة وطبيعتها وملكيتها، وإنما عن موقع سياسي بعينه. وفى داخل المهنة ذاتها فإن «التحليل السياسي» لم يعد هدفه المعرفة وتقديم الرأى فى أمور قومية، وإنما أصبح إعلانا عن موقف سياسي لا تصح الدولة إلا باتباعه. وامتدت السياسة من الدور الصحفية إلى نقابة الصحفيين التى باتت سلالمها مكانا عاما للرفض، وأصبحت أروقتها ساحة للمعارضة تارة والموالاة تارة أخرى. والغريب أنه مع ذيوع هذه المعضلة إلا أنها لم تمنع توافقا عاما على كتمان الكثير من الحقائق عن المجتمع كله، أولها على سبيل المثال توزيع الصحف جميعا، وتكلفة الدعم المقدم للمؤسسات القومية، وعدد العاملين فى كافة المؤسسات على وجه التحديد، والذي وجدته زائدا ثلاث مرات عن الحاجة الفعلية في الأهرام، وبمقدار مرتين في «المصري اليوم».

المعضلة السياسية لم تخف حقيقة المعضلة الاقتصادية التى تتجاوز مسألة العمالة الزائدة عن الحاجة، وإنما هى شاملة لجوانب مختلفة من الإدارة والتدبير المالي، وفوق ذلك كله علاقة «الكلمة المكتوبة» باقتصاديات العمل. وفى يوليو ٢٠٠٩ بات واضحا بشدة أن الصحافة المطبوعة، ليس فى مصر وحدها وإنما فى العالم كله، تواجه مأزقا كبيرا نتيجة طغيان وسائل الإعلام الأخرى من تليفزيون وصحافة إلكترونية على الصحافة الورقية. فهذه الأخيرة دورتها الزمنية هي ٢٤ ساعة، وإذا ما ظهرت فى عدة طبعات كما هو الحال فى الأهرام فإن الدورة الأولى تظل ١٢ ساعة، أما وسائل الإعلام الأخرى فإن دورتها الزمنية بضعة ثوان يمكن بعدها إذاعة الخبر وقطع الإرسال أو نشره بوسائل متنوعة لكى يصل إلى المتلقي. بالطبع تغيرت التكنولوجيا عدة مرات خلال السنوات السبع الأخيرة، وباتت المنافسة الآن ليس فقط مع التليفزيون والمواقع الإلكترونية، ولكنه أصبح مع أدوات التواصل الاجتماعي والتليفونات الجوالة والذكية أيضا. وبالطبع لم يحدث أى من ذلك فجأة، وإنما بات جليا كما شمس الصباح التى لا تحتاج ساعة الظهر حتى تعرف حرارتها. وهكذا فإن عملية إعادة هيكلة كبيرة باتت ضرورية سواء فى الأهرام كبيرة الحجم (١٢ ألفا من العاملين فى يوليو ٢٠٠٩) أو «المصري اليوم» الأقل حجما (٨٣٠ فى فبراير ٢٠١٣) لكي تتحول المؤسسة الصحفية إلى مؤسسة إعلامية متكاملة. وبشكل ما فإن ذلك، ولو على سبيل المقاربة، كان حادثا بالفعل، حينما بدأ العاملون فى المؤسستين الهجرة بالعمل، وليس بالحالة الوظيفية، إلى التليفزيون والمواقع الإلكترونية، سواء تلك المصرية أو العربية. كثير من الأسماء الكبرى الآن فى عالم الإعلام التليفزيونى تنتمي إلى المؤسستين. كانت الخبرة تتكون بالفعل، ولكن وضع ذلك فى نسق مؤسسى واحد لم يكن ممكنا نتيجة المقاومة للتغيير من ناحية، والإصرار على أن الصحافة المطبوعة باقية لا ريب فيها.

ببساطة كان هناك نوع من «التخندق» فى المهنة الصحفية حينما بات «الوسيط» المهني الطباعة على الورق فى شكل الصحيفة المعروفة، والذى رغم كل شيء لايزال له مستهلكوه من الأكبر سنا واستهلاكا للأنباء والتحليلات. القصة هكذا فى التطور تتكرر، فلا شيء ينتهي كله مرة واحدة، وإنما تأخذ الأمور مراحل انتقالية، وفى حالتنا هنا فإن البداية كانت «الكلمة»، وزاد من رواج الكلمة طباعتها، ولكن القدر لم يقطع أن الكلمة المطبوعة لابد لها من أن تكون فى شكل الصحيفة. فإحدى المزايا الكبرى للكمبيوتر أنه يكتب أيضا، ويطبع فى ذات الوقت بالحجم الذى يراه الكاتب، بل ويمكنه إضافة الصور والأشكال البيانية. مثل ذلك يبدو بسيطا وسهلا لمن يعرفه، ولكن لمن لا يعرف فإن المسألة تبدو كما لو كانت تعقيدا لا يجب الولوج فيه، فضلا عن أنه مضيعة للوقت، ربما تكون وراءها أغراض سياسية.

المؤكد هو أن الوعى بكل ذلك قد زاد، وكانت المسألة في «المصري اليوم» أكثر سهولة مما كانت عليه فى الأهرام بسبب العدد والتقاليد الموغلة فى القدم، ولكن فى كل الأحوال فإن عدد المنخرطين فى الثورة التكنولوجية يتزايد، كما أن الإمكانيات الهائلة في الأهرام تجعل الولوج فى التغيير ليس فقط ممكنا ولكنه أيضا أكثر عمقا. السؤال الآن هو: كيف ندير هذه المرحلة الانتقالية بين ما اعتدنا عليه وما نصبو إليه؟ «المصرى اليوم» والأهرام أيضا خاضتا تجربة التوسع فى الموقع الإلكترونى، وسعت الأولى إلى الشراكة المباشرة مع قناة تليفزيونية (القاهرة والناس) فى نشرة إخبارية، وشهدت الأهرام أفكارا لإنشاء قناة تلفزيونية أو إنتاج برامج وتسويقها، وبعضها دخل مراحل التنفيذ. لا أدرى شخصيا ما جرى لكل ذلك، ولكن النواة والإمكانيات الفنية والبشرية متاحة لإعادة صياغة دور الصحافة المطبوعة في المجتمع المصري.

هل للدولة دور فى ذلك؟ ليس سرا على أحد أن لى موقفا من دور الدولة الذي أراه يجب أن يكون فى أضيق الحدود، ولكنه فى كل الأحوال ينبغي له أن يكون أولا عادلا، وثانيا أن يكون مرتبطا بخطة للتطوير والانطلاق. وبصراحة فإنه إذا كانت الصحافة المطبوعة، وسواء كانت على الصحف الورقية أو لإعداد البرامج التلفزيونية أو لإرسال الرسائل الإلكترونية، تمثل قوة مصر الناعمة، فإنها بحكم التعريف تصبح ثروة «قومية» لمصر كلها أيا كان عنوان المؤسسة الصحفية على الساحة السياسية، أو نمط ملكيتها، أو عدد العاملين فيها. العدالة والتطوير وجهان لعملة واحدة، تلك هى المسألة!.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صحيفة “المصري اليوم” المصرية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى