مقالات مختارة

ترامب و«البيان الرقم واحد» في البيت الأبيض

تبدو إدارة الرئيس باراك أوباما وكأنها تبذل في الأيام الأخيرة المتبقية جهداً استثنائياً ليرث خلفه دونالد ترامب «عداوة ما» مع موسكو مع توليه منصبه آخر الأسبوع.
جملة خطوات تصعيدية منها: اختيار جو بايدن نائب الرئيس الأميركي، أوكرانيا وجهة لآخر زياراته الخارجية حيث أطلق دعوة الى العالم «لمواجهة العدوان الروسي»، تزامناً مع إرسال قوات أميركية إلى بولندا، في خطوة لا سابق لها، من شأنها رفع مستوى التوتر مع روسيا إلى ما كان عليه إبان الحرب الباردة.
خطوات تصعيدية، لم تكن لتتخذ بالجملة لو أن الرئاسة آلت إلى هيلاري كلينتون، شملت طرد عشرات الديبلوماسيين الروس من الولايات المتحدة، إضافة إلى اتهام الـ «سي آي أي» لعملاء روس بالقرصنة والتجسس وإعداد أفلام فضائحية عن ترامب بهدف «ابتزازه».
في المقابل يتحلى الكرملين بالانضباط، ولا يفوته في كل مرة التلميح إلى أنه ينتظر تولي ترامب الرئاسة في البيت الأبيض ليبدأ تقييم العلاقات.
كان ضم الكرملين شبه جزيرة القرم الأوكرانية في 2014 وحملته العسكرية في سورية منذ أواخر 2015، سببين أساسيين لبلوغ التوتر ذروته مع الغرب خلال العامين الماضيين، بعد فترة حاولت خلالها موسكو عبثاً، لي ذراع الأوروبيين بامتيازات وأسعار تفضيلية لإمدادات الغاز من روسيا، أملاً بكسب تأييدهم لسياساتها.
وفي تحرك موازٍ زاد من التوتر، أقدمت روسيا العام الماضي على نشر صواريخ «اسكندر» القادرة على حمل رؤوس نووية في كاليننغراد، وأجرت مناورات عسكرية متكررة في البلطيق، الأمر الذي أثار مخاوف بولندا وليتوانيا ودول أخرى «تدور في فلك الأميركيين».
«على المجتمع الدولي أن يقف صفاً واحداً ضد العدوان الروسي»، قال بايدن في مؤتمر صحافي في كييف مطلع الأسبوع، فيما وقف إلى جانبه الرئيس الأوكراني بيترو بوروشينكو الذي بدا مطمئناً إلى إشارات إيجابية تجاه وارسو صدرت الأسبوع الماضي من ريكس تيلرسون مرشح ترامب لوزارة الخارجية.
قبلها بيومين، كانت رئيسة الوزراء البولندية بياتا شدوا ترحب بالجنود الأميركيين الوافدين، قائلة: «نرجو أن تشعروا أنكم في وطنكم»، واعتبرت أن وصولهم «خطوة استراتيجية لضمان سلامة وأمن بولندا والمنطقة».
في المقابل، أكد السفير الأميركي في وارسو بول جيمس أن هذه القوة التي يتوقع أن يصل تعدادها إلى سبعة آلاف جندي وتطعم بعناصر من دول «أطلسية»، «تجسد التزام أميركا القوي باحترام مقتضيات معاهدة حلف شمال الأطلسي بالدفاع عن حلفائه».
والواقع أن ثمة «رمزية كبيرة» في انتشار القوات الأميركية في شرق أوروبا في هذه المرحلة، وهو انتشار يُخطَط له أن يشمل إستونيا ولاتفيا وليتوانيا ورومانيا وبلغاريا وهنغاريا، وثمة رمزية كبيرة أيضاً في وصف روسيا تواجد الجنود الأميركيين في بولندا بأنه «تهديد» أمني.
مما تقدم، يمكن قراءة خلاصة الانقلاب الذي سيحدثه ترامب في سياسة أوباما حيال أوكرانيا وبولندا وشرق أوروبا عموماً، ففي سلسلة «تصريحات» أدلى بها إلى صحف أوروبية أمس، واعتبرت أقرب إلى «مسلسل ضربات» في كل الاتجاهات، رأى الرئيس المنتخب قبل أربعة أيام من تنصيبه، أن الحلف الأطلسي «تخطاه الزمن»، وتحدث عن اتفاق جديد وتقارب مع روسيا، ولم يتوان عن اعتبار خطة بريطانيا الانسحاب من الاتحاد الأوروبي «أمراً عظيماً».
مسلسل الضربات في كل الاتجاهات، يبدو أن هدفه سينصب على السياسة التي انتهجتها إدارة أوباما خلال السنوات الثماني الأخيرة، وبقراءة متأنية لما قاله ترامب (وربما ما لم يقله بعد)، يمكن توقع أن يكون خطاب التنصيب الذي سيلقيه يوم الجمعة المقبل أقرب إلى «البيان الرقم واحد»، إيذاناً بانقلاب في البيت الأبيض.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صحيفة “الحياة” اللندنية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى