مقالات مختارة

القيصر يعيد المخاتلة على ضفاف المتوسط

إميل أمين

ضمن أسئلة عديدة حائرة تصل الحاضر بالماضي يتساءل البعض: «ما الذي يفعله القيصر على ضفاف المتوسط، وهل يمكن أن يكون اهتمام روسيا بليبيا على مشارف العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، أكبر وأكثر من قيمة مصر بالنسبة لها في ستينات القرن الماضي؟».

باختصار غير مخل هناك من يربط بين تخلي روسيا بطريق أو بآخر عن قوات الجيش الوطني الليبي، والتحالف سراً أو جهراً مع تركيا وحكومة الوفاق، وبين الوعود البراقة التي قطعوها للمصريين قبل حرب الأيام الستة وقد فسرها البعض في القاهرة وقتها بأن أساطيل السوفيات ستكون رهن إشارة المصريين.

إدراك استراتيجية القيصر في روسيا مسألة ليست هينة أو يسيرة، لا سيما أنها تتغير باستمرار وتحتاج إلى مشقة في الفهم، إذ إن الدب السوفياتي القديم، تحول إلى ثعلب رشيق الحركة، قادر على أن يقفز من سوريا إلى ليبيا بشكل لافت، فيما يبدو النسر الأميركي متخاذلاً وفي مرحلة تجديد شبابه التي قد تطول.

يلفت الانتباه أول الأمر في المشهد الروسي على الأراضي الليبية، انسحاب مقاتلي شركة «فاغنر» الأمنية الروسية من طرابلس على شكل واسع، وهي قوات خاصة لا تتبع مباشرة الجيش الروسي، إلا أنها وفي نفس الوقت لا يمكن أن تتحرك في مهام قتالية خارجية من دون موافقة رسمية، وقد لعبت قوات فاغنر دوراً مهماً في معارك قائد الجيش الوطني المشير خليفة حفتر في الغرب الليبي.

أمران يستدعيان تساؤلات: «لماذا توقفت قوات فاغنر عن المشاركة في معارك الجيش الوطني الليبي؟ وثانياً كيف خرجت جميعها سالمة من غير أن تتعرض لها قوات الوفاق قرب قاعدة الوطية ثم من جنوب طرابلس؟».

أقرب جواب إلى العقلانية هو أن هناك تفاهمات سرية تركية روسية تعددت سيناريوهاتها، وربما أشهرها القول بتقسيم ليبيا مناطقياً، بحيث يبقى الغرب في يد فائز السراج رئيس حكومة الوفاق والنفوذ التركي، والشرق خاضع للمشير حفتر والجيش الوطني… ثم ماذا بعد ذلك؟

ما هو واضح حتى الساعة إن لم تحدث تطورات هيكلية جديدة، هو محاولة تجميد الصراع، أي تجنب الصدام على المدى الطويل من أجل أن يحقق القيصر أكبر قدر ممكن من المكاسب لا سيما في ظل الارتباك الأميركي الواضح للجمهورية التي تعيش زمن دفع أكلاف فرط الامتداد الإمبراطوري التقليدي، الذي تجري به الأقدار مع جميع الإمبراطوريات عبر التاريخ.
هل ليبيا بالنسبة للقيصر «كعب أخيل» الذي ينفذ منه ليحقق ثأره التاريخي ممن هدموا الاتحاد السوفياتي على رأسه، الأمر الذي يمثل مرارة على لسان بوتين وناراً ملتهبة في جوفه؟

ليس هكذا فقط، إذ غالباً ما يستخدم القيصر الأغا العثمانلي المحتل كبيدق على خريطة الشطرنج الكونية لتحقيق مصالح موسكو، ومنها إعادة ضبط الأوضاع في ليبيا التي أخطأ ميدفيديف في تقدير أبعادها، حين وقف صامتاً في مجلس الأمن أمام قرار إسقاط نظام القذافي.

أحلام القيصر على ضفاف المتوسط تعيد ترتيب الخريطة الجيوسياسية العالمية، وفي الأعم الأغلب هو ليس مهموماً أو محموماً بالعم سام أو بالأوروبيين، بل بالتنين الصيني جاره، فالقيصر يجيد قراءة أحاجي الإنسانية ومكر التاريخ.

في المقدمة تمثل ليبيا وثرواتها النفطية وما بها من غاز طبيعي لاعباً مؤثراً وفاعلاً في منظومة أسعار الطاقة العالمية، والوجود الروسي هناك يسعى لأن يعوض الخسائر التي فقدها بعد ضياع مربعات قوته ونفوذه في زمن القذافي، اقتصادياً أول الأمر، وليبيا للقيصر أفضل قاعدة انطلاق في الشمال الأفريقي، وهي في ذات الوقت مدخل مزدوج للعمق الأفريقي، حيث معركة القرن القادم على المواد الخام، وعلى مشروعات تنمية القارة السمراء، وعلى الجانب الآخر من المتوسط لا تبعد أكثر من مائتي كيلومتر عن أوروبا.

ينقل القيصر قطعه على مربعات النفوذ والقوة العالميين بمهارة فائقة، ولا ينتظر أن يحاصره الناتو بحائط صواريخ بالقرب من بولندا أو غيرها، وإذ يبادر إلى الحضور العسكري قريباً جداً من قواعد الحلف في الأراضي الأوروبية، يتحدث صراحة فلاديمير شامانوف رئيس لجنة الدفاع في مجلس الدوما بأن «روسيا ستعزز وجودها العسكري في البحر الأبيض المتوسط، الذي لم تكن موجودة فيه منذ زمن طويل، وستضع خططها انطلاقاً من المصالح الوطنية».

القيصر غير عابئ بحفتر أو السراج، فالقادة الكبار لا تشغلهم مكايدات الصغار، إنهم فقط متطلعون لاقتناص الفرص، كما تمكن من أن يؤسس لروسيا قاعدة عسكرية على الأراضي السورية، أظهرت عدسات التلفزة الدولية ذات يوم أن الرئيس السوري ممنوع عليه أن يخطو إلى داخلها قبل بوتين، في مشهد يحمل مهانة لا مثيل لها في التاريخ المعاصر لحاكم على أرضه، وربما يكرر الأمر نفسه على الأراضي الليبية من غير أن يعير أدنى انتباه لمن يتصارع في ليبيا.

يكاد القيصر يكون قد حقق نصراً مبيناً في مواجهة الرئيس الأميركي، فقد أظهرت صور التقطتها الأقمار الصناعية الأميركية عن وجود طائرات روسية ميغ 29 وسوخوي 24 في قاعدة الجفرة الليبية قادمة من قاعدة حميميم السورية، ما يجعل فكرة القاعدة العسكرية الروسية في الشرق الليبي حقيقة واقعة، وهو ما أكده رئيس لجنة الاتصال الروسية المعنية بتسوية الأزمة الليبية ليف دينغوف، لا سيما بعد أن قدم حفتر طلباً رسمياً للروس في هذا الشأن.

وفيما القيصر يجذر حضوره على ضفاف المتوسط، يسعى ترمب لتقليل عدد جنوده في ألمانيا إلى 25 ألفاً، ما يترك الأوروبيين في هلع من مواجهة المستقبل.

أما الليبيون فيتم التلاعب بهم ذات اليمين وذات اليسار، ولو كان بيتهم محصناً ما فعل ذلك هؤلاء وأولئك، إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

المصدر
الشرق الأوسط

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى