حياة

أسلوب ستانلي كوبريك الإخراجي، وخلق ثورة في صناعة السينما

صناعة السينما ساحرة للملايين منذ بدء ظهورها، وجود صور متحركة وأنت تعلم أنها ليست واقعية، الأمر مبهر إلى أقصى حد. تطورت السينما من الأبيض والأسود إلى الألوان، ومن الصامتة إلى الناطقة، والآن تتطور من قمة التكنولوجيا إلى قمم أعلى تطفو على السطح كل يوم.

تقنيّات أخّاذة تجعل الفن السابع أقوى وأقوى، وتصقل الجودة البصرية له مع الوقت، لكن هذا لا فائدة منه لولا المخرج، فهو الذي يستطيع تقديم فيلم تفاعلي، حتى ولو تم تصويره بكاميرا هاتف ذكي عتيق.

أبرز المخرجين في الصناعة حصرًا هو ستانلي كوبريك بالطبع، فهو العقل المدبر خلف أفلام أيقونية مثل The Shining و Space Odyssey 2001 وغيرهم، مما جعل أسلوبه الإخراجي مدرسة كاملة أخرجت مواهب كثيرة للعالم لاحقًا. فما السمات الرئيسية لأسلوبه الإخراجي الفريد؟

العين تتحرك، وكذلك الكاميرا

ستانلي كوبريك يعتمد في تقديم أعماله على الحركة المستمرة. وهذا ببساطة لكون العين هي التي تشاهد، والعين تتحرك في محجرها نفسه حتى ولو كانت مثبتة على شيء واحد فقط أمامها. يحاول دائمًا المخرج محاكاة حركة العين بداخل أفلامه، وكأن الكاميرا هي فعلًا أداة الرؤية البشرية، وعبر تجسيد نفس حركتها المستمرة في نطاقات مكانية محدودة، يستطيع جعل التجربة أكثر واقعية، حتى ولو كانت القصة خيالية تمامًا.

المخرج ستانلي كوبريك

كما أن حركة الكاميرا المستمرة تكسر من جمود وملل القصة إذا كان السيناريو غير محبوك، وهذه نقطة إيجابية تحسب للمُخرج، حيث تعتبر بمثابة البطاقة الذهبية الفائزة التي يمكن استخراجها في أي وقت لإدخال الفيلم في سباق جوائز شريحة الإخراج، حتى إن لم يدخل في أي شريحة أخرى كالمونتاج والتمثيل.

اللقطات الجامدة تقريبًا معدومة في أفلام كوبريك، وإذا كان مجبرًا على تركيز الكاميرا على شيء معين في لقطة ثابتة، تجده يكافح لعمل حركة منحنية مريحة للعين، وطفيفة للغاية وتكاد لا تلاحظ فعلًا؛ إن حركة المشهد عنده مقدسة!

تماثلية المشاهد

إذا أتيت بسكين حادة وقسمت المشهد إلى نصفين بالظبط، يكون اليمين كما اليسار، واليسار كما اليمين، تطابق شبه تام فعلًا. هذه البصمة الأبرز في أعمال ستانلي كوبريك حصرًا، هدفه الأول والأخير هو صُنع مَشاهد مريحة للعين، والعين دائمًا ترتاح للإطارات الخالية من التعقيدات البصرية، أو المليئة بها لكن في صورة تماثلية تجعل من تعقيدها مجرد تكرار لأشياء لا تأخذ من المساحة العقلية للتحليل إلا النصف فقط. وذلك لأن نصف المشهد يحتوي على ما يحتويه النصف الآخر، فبالتالي لا يحتاج العقل لمعالجة كل تفاصيل المشهد، لأنه يعلم بالفعل تكرار مفردات بيئة أحد النصفين في الآخر.

كما أنه من منظور هندسي، التماثلية في أي شيء تعني الراحة التامة لعين الناظر، ومستمدة من التراث المعماري القديم لمختلف الحضارات في المباني كذلك. تمتاز تلك المباني بالتماثلية في الأعمدة مثلًا عند ذكر الحضارة الإغريقية، وفي تماثلية قِباب المساجد والكنائس في الحضارتين الإسلامية والقبطية، بجانب تنفيذ نفس أسلوب المعمار في أغلب الحضارات ذات العقائد المختلفة كالعراق والهند وغيرهم. السينما فعلًا امتداد لحضارة الإنسان، والإبداع لا يقتصر على القصة، فهو حقًا يشمل كل عنصر سينمائي آخر؛ وعلى رأسهم الإخراج الذي يُبدع فيه كوبريك أيّما إبداع.

الإضاءة الطبيعية

يعتمد الكثير من المخرجين على الإضاءة الطبيعية في أفلامهم، وهم في الواقع غالبًا ما يكونون من الجيل الكلاسيكي للسينما، أمثال ديفيد لينش ورفاقه، وبالطبع ستانلي كوبريك ليس غريبًا عليهم. استطاع ستانلي مع الوقت أن يجعل الإضاءة الطبيعية ركنًا أساسيًّا في أفلامه وطور آلية استخدامها كذلك، حتى أنه اخترع أسلوبًا جديدًا لإخراج المشاهد الليلية في إضاءة طبيعية ضعيفة للغاية.

عند تصوير مشهد ليلي، تكون الإضاءة الطبيعية ضئيلة للغاية، لذلك من الصعب على الكاميرا تمييز الوجوه حتى. لكن المخرج قام في أحد أفلامه بإضاءة المشهد بأكثر من شمعة، وترك باقي الإضاءة للطبيعة، وللتغلب على العتمة قام باستخدام عدسة ذات فتحة واسعة جدًا لإدخال كل شعاع ضوء ممكن لمستشعر الكاميرا، وفي المقابل ضحى بعمق المجال البصري – Depth of Field.

العمق هو الذي يفصل الممثل عن الخلفية، ولذلك تكون المشاهد أكثر احترافية، لكنه ضحى بالعمق تمامًا في سبيل تحقيق مشهد طبيعي ومحافظ على درجات لونية حقيقية للجلد والملابس.

قام المخرج هنا بتحطيم القاعدة الأثيرة في صناعة السينما التي تنص على أن الإضاءة يجب أن تكون قوية للغاية من أجل تحقيق تصوير احترافي، وأثبت أنه في بعض الأحيان ربما معوقات التصوير تكون ذات فائدة كُبرى للفيلم، وتصبح النتيجة في النهاية عبقرية بطريقة غير متوقعة.

استغلال فنيّات التصوير لصالح القصة

مارتن سكورسيزي من المخرجين المتأثرين بأسلوب ستانلي كوبريك في اللقطات المتحركة، لكنه يعتمد بشكلٍ رئيسيّ على عمل فاصل واضح بين الممثل والخلفية، أو أي شيء والخلفية الواقعة خلفه تمامًا. يريد مارتي جذب عين المُشاهد لشيء معين في المشهد، فبالتالي يستطيع التعامل معه بأي شكل يريده، ضامنًا أن العين لن تذهب ناحية أي شيء، وهذا يزيد من حرية المخرج في التحكم بالقصة، الأجواء التصويرية، وكذلك الرجل الجالس خلف الشاشة مشاهدًا للفيلم. لكن لا، كوبريك كان مختلفًا، عشق تسطيح بعض المشاهد لتشتيت العين بدلًا من تثبيتها على شيء، نسبة كبيرة من أفلامه بُنيت على هذا المبدأ.

منذ قليل ذكرنا فتحة العدسة الواسعة ومجال الرؤية شبه المعدوم، هذا يُستغل بشدة في بعض مشاهد المخرج. عندما يتم تصوير المشهد في الليل، وتكون الخلفية مليئة بالحركة والأضواء المتراقصة، بينما الممثل نفسه يتحرك في اتجاه معين وغير فصول عن ما يحدث خلفه، كلنا عناصر يُوحي بأن هذه الشخصية مندمجة مع العالم بطريقة لا تجعل لها كينونة في الحياة، لأن مجال الرؤية المحدود يفصل الشخص عن الخلفية، وبذلك يعطيه الكينونة والوجود.

تسطيح المشاهد مفيد لخدمة القصة ذات الشخصيات التي تعاني من التشتت النفسي. قد يقول البعض إن هذا الأمر يلجأ إليه المخرج إذا كانت ميزانيته محدودة ولا يستطيع الحصول على كاميرات عالية الجودة لتصوير مشاهد مفصولة جيدًا في إضاءة ضئيلة، لكن في أفلام كوبريك فعلًا كانت الميزانية هي آخر شيء يُقلق حياله.

كان عظيمًا، والأموال توضع أمامه على الطاولة بالملايين، فقط ليُبدع، وكان يوجه المال للديكور والعديد من العناصر الأخرى، بينما اهتمامه بالكاميرا كان مرتقيًا إلى مرتبة العشق والوله، وعندما يصير الإنسان عاشقًا، روحه التي تمسك بالعدسة، وليس المال.

عمق المسافة والنسبة الذهبية

بالطبع شخص مهووس بالتماثلية كالمخرج ستانلي كوبريك من المستحيل أن يصنع مشاهده غير التماثلية دون الاستناد إلى قاعدة معينة، وهذه القاعدة هي النسبة الذهبية. النسبة الذهبية هي فكرة هندسية معقدة بعض الشيء، تنطوي على حسابات دقيقة في أبعاد الصورة تخرج لنا بقيمة ثابتة هي 1.618 بالضبط. تلك النسبة تكون مريحة للعين مثل تماثلية المشاهد، إلا أنها تسمح للمخرج بكسر حدود التماثل والعمل على وضع أي شيء في مشهده دون الحاجة إلى تبسيط الألوان أو التركيبة العامة بهدف عدم تشتيت المُشاهد.

المخرج ستانلي كوبريك

المميز في النسبة الذهبية هي أنها تُعطي عمقًا ملموسًا للصورة، وهذا ما عمل المخرج على إبرازه مرات عديدة على مدار أفلامه. فمثلًا عندما يأتي المشهد على سفينة عائمة في قلب الفضاء، يجب أن تتمركز السفينة في ربع الصورة، بينما باقي الإطار كله عبارة عن فراغ آسر، ومرعب أيضًا بالنسبة للبعض.

وفي المشاهد المغلقة يكون الأمر ملحوظًا كذلك، حيث يتعمد وضع الأثاث أو الأشخاص أيضًا في ربع الصورة، بينما باقي الإطار مرة أخرى به فراغ يضع فيه عناصر بسيطة لخلق خلفية لا يستطيع خلقها بنفس درجة البساطة إذا كان صور المشهد بزاوية مباشرة تُظهر وجوه الممثلين.

بعيدًا عن الفنيّات السينمائية، فالنسبة الذهبية والعمق البصري الذي تُعطيه، يجعل المشاهد احترافية أكثر ومميزة أكثر. المُشاهد التقليدي لن يتفرغ لتحليل كل شيء وأي شيء، فقط يريد أن تُسحر عينه بالذي أمامه، والعمق البصري لا يسحر العين فقط، بل كل حواس المُشاهد دفعة واحدة.

زر الذهاب إلى الأعلى