حياة

” هون ” القديمة

كَتَبَ : عبدالوهاب قرينقو 

ذات نهارٍ شتوي دافيء من سنة 2003  كانت إمرأة ايطالية في العقد الخامس من العمر تقف تحت ظل شجرتي سروٍ سامقتين معمرتين وقد بدا عليها آثار قلقٍ شديد خالطتهُ الحيرة ..
 ولإنها تقف في المركز التجاري للمدينة ، كان عشرات المارة والعابرين بسياراتهم يمرون بالمكان فاسترعى منظرها – مشدوهةً تقلب في يدها خريطة وبعض المطويات تبحث عن شيء ما – أحد شباب المدينة .

بعد حديث واستفسار توقف عدد أكبر وعرضوا مساعدتهم فقالت بصوتٍ متهدج : مستحيل !! .. هنا كانت .. مدرسةٌ أوصتني أمي إن وصلتُ ليبيا أن أزور " هون " لأدخل المدرسة التي تعلمت فيها وهي طفلةً في حقبة الثلاثينات حين كان أسم المدرسة ( لاسكوله دو  هون ) !! .. تحسر الواقفون وتأسفوا معها وكادت تجهش بالبكاء عندما عرفت إنَّ إدارة المدينة قامت بهدم المدرسة منذ أشهر ، بحجة تحسين واجهة وسط المدينة كما أقترح أحد رؤوس النظام السابق ! .
مع المدرسة تم أيضاً هدم المبنى في الطرف المقابل من الطريق ، أول مقر لنادي هون الأهلي المتأسس في فبراير 1951 ! .

كانت تلك آخر موجة هدم تتعرض لها المدينة القديمة وقد ضاع  معها أيضاً مقر ذاكرة المدينة وهو مبنى إيطالي قديم إستغلته لجنة التراث الشعبي كإدراة ، مُلحقٌ بها مُتحف ثري بالوثائق التاريخية والصور القديمة والمقتنيات  ، زارته منذ سنوات باحثة بريطانية وكتبت عنه في كتاب لها عن السياحة والسفر عبر شمال أفريقيا قائلةً " مما زرت في هون متحف صغير ولكنه على قدر من الجمال والأهمية " ! ..

في مقالةٍ قادمة أُسلطُ الضوء أكثر على أعمال فرق التطوع ومناشط جمعية ذاكرة المدينة ولاحقاً " جماعة أصدقاء المدينة القديمة " في الحفاظ على هوية وموروث هون والحديث أكثر عن موجات الهدم في السبعينيات والثمانينيات .. و عن حقائق جديدة لموجة هدم ، سنة 1990 كادت تكون الأكثر فداحة وكارثية وهذه الحقائق مدعمة بالوثائق الرسمية وكيف قام مسئولون حكوميون شرفاء و وطنيون من أهل المدينة بمنع ذلك الهجوم الذي كان سيأتي على كل الأثر ولن يُبقي ولن يذر .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.