مقالات مختارة

مُسايرة ..وخلوات.. وأطوار

عمر رمضان
عبد المطلب الجماعي / 14
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مشينا مع عبد المطلب أشواطا طويلة نسايره في خلواته وفلواته وأطوار حياته وقد آن الأوان أن نتكلم ــ ولوقليلا ــ عن عبد المطلب الجماعي الذي ظل يعايش الأجيال بعد الأجيال ويبقى يعيش ويعايش الأجيال الآتية مابقي متذوق لأصيل المعاني وعذب اللفظ وبديع الاستعارة ورائع الخيال وفاتن الصورة وذلك هو عبد المطلب الحقيقي
ـــــــــــــــــــــــ
شاعر فحل
ـــــــــــــــــــ
ينجب الإنسان ذرية ليستبقي بهم ذكره في الحياة عبر الأجيال
ولكن بعض الذرية لايكون إلا بعضا من عدد يضاف إلى أعداد عبرت ولم تترك شيئا
( وفيه بعض م الجيبات عزة من يجيبها ) وربما كان بعض الذرية هما من هم يحمله الوالد حتى يتمنى عدمها أوحتى يراها كأنها لم تكن
( ضنوة كيف برقوق الكلاب // عدّالله ربي ماعطاش )
كما يقول أحد الشعراء في ملامة وعتاب ولده الذي خيب ظنه
فليس كل الذرية ذكرا
وليس كل الآباء منجبا فحلا
ولاكل الأمهات يلدن النجوم البواقي
وكذلك هم الشعراء تماما
بعضهم شاعر وكفى يقول وهو يظن أنه يقول مافي نفسه وهو ــ في الحقيقة ـ لايقول إلا مافي ” ذاكرته ” ومخزونه فهو مقلد فاشل وناسخ مخدوع ومخادع
وبعضهم شاعر كبير يقول فيرسم الكلمة ناصعة مشرقة ويبذرها جميلة بهية تبهرك موسيقاه وتسحرك ألفاظه وتشدك صوره ولكنك إذا فتشت وجدت ” دمية ” جميلة ليس فيها انفاس ولاحياة فهي كلام جميل ولكنه لاروح فيه وذلك هو الشاعر الذي لايبذر روحه في الكلمة وغنما هو ” صانع ” ماهر يمتلك “القدرة” ولكنه يفتقد ” الشعور” كالولد الذي يبهرك ملبسه وكلامه ولكنه يفتقد كل قيم ” الرجولة ” فيه و” التريس محاضر مش مناظر ” وكذلك هو الشعر الباقي إنه المضمخ بحياة صاحبه المغموس في حنايا قلبه فهو لايقوله لأنه يريد أن يكون ” شاعرا ” ولايقوله ليرضي به هذا أوذاك ولايقوله باختياره وإنما يجري في مساربه كمايجري الدم ويتدفق منه طبيعة كما يمارس حياته الأخرى فالشعر حياته والحياة شعره وذلك هو الشاعر ” الفحل ” الذي يستولد اللغة والفكر معاني وصورا لم يكن فيها من قبل وإنما هو يبذرها من روحه بذرا // الشاعر الفحل شعره كملامحه لاتبحث فيها عن الجمال والوسامة وإنما تبحث فيها عن الدلالة عليه وتصويره على حقيقته كما لايصوره أجمل الوجوه وأحلى التقاسيم لأنه ليس هو // وقد كان عبد المطلب الجماعي شاعرا فحلا بكل المقاييس فهو عاش كلمته وصبغها بروحه وغمسها في قلبه وختمها ببصمته وبذرفيها عمره وحياته كانلة شاملة بلا تزويق
ونحن في الحقيقة لم يصل إلينا شعره كاملا ونعرف أنه لايمكن أن يصل كاملا في ظل الظروف التي عاشها والتي كانت محفوفة بالأمية والفقر والخوف والتناثر في نجوع وقرى صغيرة ومدن متباعدة وهذه النجوع وهذه القرى وهذه المدن مقطوعة بلا اتصال ولاتواصل وهذا غير ظروفه هو الشخصية التي حملته على التطواف المتواصل في الوطن وخارج الوطن ومامن شك في أن هذا التطواف والترحال قد أمدّه بكثير من البوح والفوح والشعر وقد أضاف إلى خبرته وصنعته ومشاعره الشيء الكثير الوفير ولكن هذا التطواف والترحال المتصل قد ذهب بكثير من شعره وطواه في مجاهل النسيان //
ومن يدري فلعله هو قد طوى كثيرا من ” شعر الشباب ” والصبوة فلم يعد يرويه ولم يعد يسمح بتداوله وتناقله ونحن نعرف أنه في أواخر حياته اعتزل وفرض على نفسه طوقا من العزلة وابتعد عن الشعر وترداده حسب ماينقل كثير من الرواة عنه ونحن نعرف ــ أيضا ـــ أن شعر الغزل ــ مثلا ــ كان ــ وربما مايزال ـــ يتم تداوله وتناقله بعيدا عن الكبار ومجالسهم ويتم تناقله في شيء من الحياء والخجل وخاصة في تلك البيئة وهم كانوا يسمونه بالشعر ( الأخضر ) دلالة على ” اخضرار القلب ” أي شبابه وارتواء عروقه
ومن يدري فلعل عبد المطلب قد قال أشعارا كثيرة في ألوان كثيرة ثم أضرب عنه وتركه وترك ترداده في المجالس حتى اختفت نصوصه وهو ليس بدعا في هذا فكثير من الشعراء قال شعرا في ” الممازحة ” وفي ” الهجاء ” لبعض الناس ثم ترك ترديدها وتحاشاها حين تقدم به العمر وارتدى ثياب الحكمة وجلابيب العقل الكبير
وأنا ــ على المستوى الشخصي ــ أعترف أني لاأمتلك الكثير من نصوص هذا الشاعر الفحل ولكني أكاد أجزم أن شعره ـــ في كثرته ــ تعرض للضياع / ربما نتيجة لكثرة أسفاره وترحاله / ربما لأنه ترك ترديد بعضه وأضرب عنه / ربما لانعزاله ورواية الشعر لاتتم إلا بالمخالطة والمجالسة و” الهدرزة ” وربما لتفشي الأمية وعدم الكتابة وربما لأن بعضها يمثل ” مواضيع ” تثير بعض الحساسية / ولكن النصوص التي وصلتنا ـــ على قلتها ـــ كافية لكي نلمس فحولة وروعة وقوة وقدرة هذا الشاعر الفحل
وعبد المطلب الجماعي كان يحترم الكلمة ويقدرها ويسمو بها مكانا عليا ويراها حياة وليست مجرد كلاما ويراها بعضا من ” السلوك ” وجزءا من العقل ولهذا فهو يقف من الكلمة موقفا رائعا وعظيما وهو يقول
( وودك بنادم كلمته مسوربة // ينقّي خطاها قبل تظهر منّه )
فهو يسمو بالكلمة إلى مقام ” الفعل ” الذي تترتب عليه مسؤولية ولهذا فالمرء مسؤول عن ” كلمته ” وعله معالجتها وتنقيتها ومعالجتها قبل أن يقولها
( ينقّي خطاها منها / ويحطها في البال ويضمنها
ان كان جايرة مرات يسكت عنها / كم من حديث تخطّره وتكنّه
وودك بنادم كلمته يوزنها / يردّها على عارف بها يتعنّى )
وكان يدرك أهمية ” المنلقي كما كان يدرك أهمية القائل فهما شريكان فلامعنى للكلام الرائع تقذفه في ” عقل ” أخرس ولامعنى لبساتين الورد في نظر الغنم
( تركته عني ولاعاد قابلني عليش نغني
وانا كان قلته غير زايد مني / كيف من يكلم في عرب جبانة )
فالكلمة التي تقولها لمن لايقدرها هي كالكلمة تناغي بها ” سكان الجبانة ”
وهذا ــ كما ترون ــ فهم عميق لرسالة الكلمة وقيمتها وقيمة من يتلقاها
………… غدا نتجول بحول الله في حدائق شعر عبد المطلب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نقلا عن صفحته على موقع “فيسبوك”

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى