حياة

“تاريخ هيرودوتوس” في أول ترجمة عربية كاملة للنص الإغريقي

خلود الفلاح

الدكتور محمد الدويب أستاذ اللغات القديمة (اليونانية واللاتينية) بقسم التاريخ/كلية الآداب/جامعة طرابلس، في هذا الحوار تحدث عن خلفيات ترجمة الكتب التسعة لهيرودوتوس مباشرة من اللغة اليونانية إلى العربية للمرة الأولى. لعل أهمها، صعوبة النقل عن لغة قديمة لا يتحدثها أحد اليوم. وبحسب الدويب، العمل مليء بالجمل والتراكيب الغامضة التي تحتمل أكثر من تفسير فضلاً عن الأسماء والمصطلحات التي لم تعد قيد الاستعمال.

حول أهمية ترجمة هيرودوتوس للمكتبة العربية والليبية، وفي أي أجزاء الكتاب تحدث أبو التاريخ عن ليبيا.

دار الحديث التالي:

ـ من هو هيرودوتوس ولماذا سُمّي (أبو التاريخ)؟

ـ لقد أخبرنا هيرودوتوس عن نفسه في مقدمة كتابـه الأول بقوله “هذا هو تقديم البحث (التاريخ) لهيرودوتوس الهاليكارنيسوسي”، وهكذا نسب نفسه إلى مدينة هاليكارناسوس الواقعة على الشاطئ الجنوبي الغربي لآسيا الصغرى، لكننا نجد من يشكك في نسبة هيرودوتوس إليها، إذ ينسبـه آرسـطـوطـالـيس إلى ثوريي بـقـولـه: “هذا هو البحث (التاريخ) لهيرودوتوس الثُّوريي [أي الذي من ثُوريي ]” وقد ورد هذا اللقب في بعض المخطوطات، ويقول بلوتارخوس (بلوتارك) إن البعض ينسبون هيرودوتوس إلى ثوريي، وهو لم يمانع في ذلك رغم أنه ينحدر من هاليكارناسوس، ومع الزمن تراجع هذا اللقب ولم يستمر إلا في قليل من المخطوطات، في حين يؤكد سترافون (سترابون) أنه ينحدر من هاليكارناسوس، وأنا أرجّح نسبته إلى هاليكارناسوس، لكنه لُقّب ثوريوس [ نسبة إلى ثوريي] في رأيي بعد أن عاش هناك ومُنِح حق المواطنة، وحدد البعض تاريخ ميلادهبين 490 ـ 480 ق.م.، أمّا عن لقب (أبي التاريخ) Pater Historiae فإن الشاعر الروماني الكبير كيكيرون (شيشرون) هوأول من منحه له، ثم وصفه آخرون بعدة صفات أخرى منها أنه محلل عميق للحياة البشرية، ومؤرخ راوية، ومدحه أرسطوطاليس لترابط أفكاره، ويبدو أن فترة بقائه في أثينا قد مثّلت ذروة شهرته، حيث تم تشريفه من مجلس المدينة ويبدو أن منحه لقب أبي التاريخ قد جاء بعد الشهرة التي نالها عمله ومقارنته بمن سبقه ومن جاء بعده من المؤرخين، كونه هو أول من طوّر الرواية التاريخية إلى رواية نثرية طويلة للأحداث التاريخية والوقائع الغريبة، كما أدخل الفلسفة في التاريخ، ووضع حداً لفترة طفولة التاريخ المتمثلة في سرد الروايات الشعبية، ونلاحظ ذلك من أول جملة يبدأ بها مؤلفه”Ιστορια αποδειξις” إذ إن كلمة هيستوريا اليونانية أو History الإنجليزية التي تترجم عادة بكلمة تاريخ، كانت تعني في اللغة القديمة البحث والتحرّي وتقصّي الحقائق وصار هو النموذج الذي احتذى به المؤرخ اللاحق له توكيديديس (توسيديديس، توسيديد)، وأسّس بذلك نوعاً أدبياً نثرياً جديداً محوره البشر وإنجازاتهم، ويشير عمله إلى العقلية الفلسفية التي عمل بها مؤرخـاً واستحق بها لقب أبي التاريخ، وبالرغم مما تمتع من شهرة واسعة فقد تعرض لكثير من النقد فقال البعض إنه يعرض أشياء غير قابلة للتـصديـق، وشكّك آخرون في صحة معلوماته، ويمكن الرد على ذلك بأن المؤرخ لم يشر إلى أنه كان يُصدق جميع المعلومات التي كان يسردها بل نجده يكرّر عبارة “إنني لا أصدق ذلك ولكن أذكر ما يُقال لي” وهو بذلك يترك الحرية للقارئ بأن يُصدّق ما يشاء، ويترك مسؤولية صحة الرواية على الآخرين.

ـ من أين يكتسب عمل هيرودوتوس أهميته؟

ـ بالرغم مما أثير منذ القدم حول المؤرخ وعمله فهو مازال من أهم المصادر لتاريخ العالم القديم لعصره، ويكتسب هذه الأهمية بالأسباب التي ذكرتها في إجابة السؤال الأول وكذلك بفضل ما تمتع به صاحبه من ذكاء حاد وفطنة عالية وحرص على الحصول على المعلومات من مصادرها الأساسية، وبفضل ما قام به صاحبنا من رحلات سمحت له بالتَنقُّل والتجوال في أغلب مناطق العالم المعروف خلال عصره في زيارات قصيرة وطويلة التقى خلالها بمشاهير عصره وحدّثهم واستمع إليهم وفحص كثيراً من المعلومات وكوّن بذلك وجهة نظر خاصة به، أبرزها لنا في عرضه لبعض الأحداث ونسب المعلومات التي لم يرها أو لم يصدّقها إلى أصحابها مما جعل هذا العمل محل اهتمام من الباحثين، ولذلك يُعد عمله من أهم مصادر التي يحتاجها دارس التاريخ القديم.

ـ هل عمله هذا مقسم إلى أجزاء أو فصول؟ وهل تحدث أي من هذه الفصول عن ليبيا؟

ـ هذا العمل المعروف باسم التواريخ أو التاريخ مقسّم إلى تسعة كتب والكتاب في العصور القديمة يعادل الفصل في كتب العصر الحديث، إذ يتراوح عدد صفحاته بين 90 و120 صفحة تقريباً، ومن العادة أن يُخصّص كل كتاب لموضوع أو منطقة معينة يكون هذا الموضوع أو تكون المنطقة محور الحديث، لكن الكتاب نفسه قد يشمل أحاديث عن موضوعات أخرى جانبية أو مناطق أخرى تأتي عرضاً أو يجد المؤلف نفسه في حاجة للحديث عنها لأنها تخدم موضوعه، ولقد خصّص جزءًا في الكتاب الرابع من عمله للقارة المسمّاة ليبيا في عصره وهي التي تعادل الجزء الشمالي من قارة أفريقيا الحالية ووصف المنطقة وسكانها وعاداتهم وأورد روايات مجيء الإغريق الأوائل وتأسيسهم المدن الخمس في شمال شرق ليبيا الحالية (كيريني أو قوريني وشقيقاتها)، كما تحدث عن القبائل الليبية التي كانت تسكن المنطقة الممتدة من غرب النيل حتى المحيط الأطلسي، كما ذكر ليبيا في مواضع أخرى منها الكتاب الثاني المُكرّس لمصر أيضاً ولذلك فهو مصدر مهم لتاريخ ليبيا القديم.

ـ ما الذي دفعك إلى ترجمة هذا العمل، وما هي الصعوبات التي واجهتك؟

ـ لقد ذكرت أسباب شهرة المؤرخ وأهمية عمله الضخم الذي أسّس للكتابة التاريخية في العصر القديم وما يحويه من معلومات مهمة عن البلاد التي زارها أو عرفها أو سمع عنها ولهذه الأسباب عزمتُ منذ أكثر من ثلاثة عقود على نقل هذا العمل كاملاً إلى العربية، وبدأت بنشر الكتاب الرابع منه عام 2003م. ثم الكتاب الثاني عام 2006م. والثالث عام 2019م. ولله الحمد أكملتُ الستة الباقية ورأيتُ أن أجعلها كلها في مجلد واحد وقدّمتها للنشر عام 2019م. وطبع العمل عام 2021م. وكان الدافع الأساسي هو إثراء المكتبة التاريخية العربية بمثل هذه المصادر المهمة وتسهيل مهمة كثيرٍ من الباحثين الذين يحتاجون إلى مصادر التاريخ القديم الأصلية، أمّا الصعوبات فهي كثيرة وفي مقدّمتها صعوبة النقل عن لغة قديمة لا يتحدثها أحد اليوم ولذلك بذلتُ فيها جهداً مضنياً وحاولتُ قدر الإمكان تقديمها في ثوب يشبه ثوبها الأصلي في الجمال والروعة، وربما كان ذلك أمراً عسيراً لم أستطع بلوغه في بعض الأحيان لأسباب متعددة، منها أن العمل مليء بالجمل والتراكيب الغامضة التي تحتمل أكثر من تفسير فضلاً عن الأسماء والمصطلحات التي لم تعد قيد الاستعمال فإن وُفقتُ فبفضل من الله وإن كان غير ذلك فمن نفسي.

وبعد إنجاز العمل كاملاً واجهت صعوبة أخرى تتمثل في البحث عن ناشر يتكفّل بطباعة العمل وقد تمنيتُ أن تستمر هذه السلسلة ضمن منشورات جامعتي التي أحببتها (قاريونس) وقضيتُ فيها أربعة عقود بين دراسة وتدريس، لكن “ما كل ما يتمنّاه المرء يدركه /تجري الرياح بما لا تشتهي السفن”، ولذلك اُضطررتُ أن أعلن على حسابي الشخصي في (الفيس بوك) أنني أبحث عن أية جامعة ليبية أو عربية أو مؤسسة حكومية تنشر العمل، ولقد أسعدني تفاعل عدد كبير من المثقفين مع المنشور وقدّم كثيرون عروضاً ومقترحات مختلفة تعكس وعياً عالياً بأهمية العمل وتُبدي اهتماماً بنشره، ونالت مبادرة صديق في العالم الافتراضي هو الأستاذ عصام خليفة القبائلي (الذي لم أكن أعرفه شخصياً قبل هذا الإعلان) موافقتي فهو قد تبنّى نشره ضمن منشورات وزارة الثقافة، وهو ما تمّ. له ولجميع العاملين بالوزارة الذين ذكرتهم في مقدمة الترجمة كل شكر وتقدير.

ـ ماذا ستضيف هذه الترجمة للمكتبة العربية؟

ـ هذه الترجمة بناءً على الدافع الذي ذكرته أعلاه هي عمل بشري يخطئ صاحبه ويصيب وهي الآن قد أخذت مكانها في المكتبة العربية وكان لوزارة الثقافة في ليبيا شرف نشرها، وكل ما يطمح إليه مترجم هذا العمل هو سدّ نقص مرجعي تاريخي وتوفير نص مترجم عن لغته الأصلية يفيد الباحثين في التاريخ القديم الناطقين بالعربية ويفيد المثقفين والمهتمين بكتابات المؤرخين الإغريق، ويوفّر عليهم مهمة الاستعانة بالنصوص المترجمة إلى اللغات الأوروبية التي قد لا يجيدها البعض ووجود هذه الترجمة قد يجعل بعض الباحثين في التاريخ القديم يراجعون ما كتبه السابقون وما نسبه بعضهم إلى هيرودوت، سواء كان في صحته أو دقّته، وآمل أن تَسُدّ نقصاً كانت المكتبة العربية تعانيه وتقدّم خدمة انتظرها الناطقون بالعربية قروناً من الزمن ليعرفوا ما قاله هذا المؤرخ.

ـ يقول العنوان إنها الترجمة الأولى من اللغة اليونانية القديمة، فهل احتجت إلى الاستعانة بقواميس لغوية للوصول إلى المعنى؟

ـ نعم ولله الحمد هي أول ترجمة عن اللغة الأصلية (الإغريقية أو اليونانية القديمة) التي كتب بها هيرودوت عمله، وفعلاً كانت الحاجة ماسة جدّاً للعودة لكتب قواعد اللغة الإغريقية ومعاجم اللغات القديمة (الإغريقية واللاتينية) والإنجليزية والإيطالية واليونانية الحديثة والعربية، والموسوعات والمراجع المتعلقة بالتاريخ والجغرافيا والرحلات والفلسفة والآداب والعلوم التطبيقية المتنوعة بحثاً عن تفسير صحيح لمصطلح أو ظاهرة أو للتعرف على اسم مكان أو أداة أو حيوان، كما لجأتُ إلى بعض المختصين في فروع المعرفة المختلفة لاستيضاح غموض أو للتعرف على أمرٍ مجهول، وذلك حتى أفهم النص وأكشف حقيقته للقارئ، وزيادة في توضيح بعض الكلمات الغامضة في النص الأصلي وضعتُ هوامش وتعليقات موجزة كلّما وجدتُ ذلك ضرورياً، وأحلتُ القارئ إلى بعض المراجع المتخصصة إذا ما أراد الاستزادة وقد بذلتُ في ذلك جهداً كبيراً بسبب الاختلاف والتباين في المواضيع التي يتناولها النص الأصلي والهوامش الملحقة به لأن الهدف كان إظهار النص في صورة تشبه صورته في لغته الأصلية.

ـ هل الترجمة عن لغة وسيطة تُفقد النص بعض جمالياته أو معانيه؟

ـ بالتأكيد لأن النقل من لغة إلى أخرى لا بد أن يعرّض النص إلى ما يمكن تشبيهه بجراحة تجميلية أو أداء دور شخصية في أي عمل فني إذ يتعذّر أن يشبه الممثل الشخصية التي يمثلها تماماً فقد لا يؤدّى الحركة نفسها أو لا ينطق بالنبرة نفسها أو لا يعيش اللحظة ذاتها، وبالتالي فإن تكرارها مرة أخرى من طرف ثالث يفقدها الكثير، وهكذا هي الترجمة عن لغة وسيطة ستفقِدُ النص ملامحه مرتين وأظن أن الباحثين لاحظوا الفوارق في ترجمتنا السابقة للكتب (الرابع، الثاني، الثالث) عن نظيراتها من النصوص المنقولة عن الإنجليزية أو الفرنسية.

ـ اختلفت الآراء حول: هل هيرودوتس قام بكتابة كتبه حول تاريخ العالم القديم دفعة واحدة أم على مراحل، من واقع اهتمامك بهذا العمل وترجمتك إلى أي الآراء تقف؟

ـ أغلب الأعمال القديمة قِيلت حولها هذه الآراء ورأى بعضهم أن بعض الأعمال الضخمة ربما قد كتبها أكثر من مؤلف ومثل هذه الآراء يجب أن تعتمد على دراسة النص كاملاً دراسة دقيقة، وعقد مقارنات كثيرة بين المفردات والجمل والعبارات الواردة في النص، ومقارنة بعض الحوادث المتشابهة وبحث تفاصيل تاريخها وتمحيص النصوص الوصفية التي يستعملها المؤلف للحكم عليها بدقة، ومع ذلك فإن تطور لغة وثقافة المؤلف أثناء كتابته للعمل بسبب اطّلاعه على أعمال غيره بعد السماع من بعضهم أو سفره تّعد من العوامل التي تصنع اختلافاً في النص قد يجعل البعض يظن أن العمل قد أسهم فيه أكثر من كاتب، بينما هو لكاتب واحد، أمّا عن الزمن الذي يستغرقه الكاتب في أي عمل فهو مرتبط بحجم العمل والحوادث والأماكن التي يغطّيها، والمصنّف الذي بين أيدينا لا يختلف عن غيره من المصنّفات الضخمة التي استغرق إنجازها زمناً، ونحن لا يمكننا الجزم أن هيرودوت قد كتبه في مرة واحدة أو كتبه مجزءًا وإن كنتُ أميل إلى الرأي الثاني لأن العمل يحوي موضوعات مختلفة عن بعضها، ويتحدث عن مناطق بعيدة عن بعضها البعض، وهو أمر يتطلب نوعاً من التفرغ والبحث عن المعلومات التي تخص كل جزء، وسواء كُتِبَ هذا العمل دفعة واحدة أم كتب على مراحل يظل محل اهتمام للباحثين في التاريخ والمهتمين به.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى