مقالات مختارة

هل أصبحت الانتخابات الرئاسية جزءا من الأزمة ؟

الحسين المسوري

رغم أن أطراف الأزمة الليبية اتفقت في اجتماع باريس‏,‏ الذي عقد يوم‏29‏ مايو الماضي‏,‏ علي إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية بحلول‏10‏ ديسمبر المقبل‏,‏ علي أن يسبقها وضع الأسس الدستورية للانتخابات واعتماد القوانين الانتخابية الضرورية بحلول‏16‏ سبتمبر المقبل‏,‏ لكن هذه الدعوة التي روج لها علي أنها هي الحل‏,‏ سرعان ما كشفت عكس ذلك‏

حيث أصبحت الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في طريقها إلي أن تكون جزءا من الأزمة.فالمجتمع الدولي الذي حث علي إجراء هذه الانتخابات هو في الحقيقة منقسم حول إجرائها, كل وفق رؤيته لنتائجها وما يمكن أن تحدثه استحقاقاتها من تغيير علي أرض الواقع, بالإضافة إلي السؤال الأهم وهو: مـن يضمن اعتراف الطرف الخاسر نتيجة الانتخابات ويتحول إلي المعارضة السلمية؟!

فهل لو فاز المشير حفتر أو أي مرشح من فريق الكرامة وحلفائها بالرئاسة ستفرش له السجادة الحمراء بمطار معيتيقة وتسلم له العاصمة طرابلس ليمارس مهامه منها؟, وبالمقابل هل لو فاز مرشح فجر ليبيا وحلفائها سيسمح له بزيارة بنغازي وتنفذ قراراته فيها؟ وهنا يجب أن نشير إلي أن إجراء الانتخابات الرئاسية في ليبيا يعني عمليا انتهاء العمل باتفاق الصخيرات وحل المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق والأهم حسب تقديري هو أن مقترح لجنة فبراير الذي ضمنه المؤتمر الوطني في الإعلان الدستوري المؤقت في جلسة مارس2014 يعطي الرئيس صلاحيات واسعة منها القيام بمهام القائد الأعلي للجيش الليبي واختيار رئيس الوزراء وتكليفه بتشكيل حكومته وتمثيل الدولة في علاقاتها الخارجية وتعيين السفراء وممثلي ليبيا لدي المنظمات الدولية بناء علي اقتراح من وزير الخارجية,

وتعيين كبار الموظفين وإعفاؤهم من مهامهم بعد التشاور مع رئيس الحكومة وترؤس اجتماعات مجلس الوزراء عند حضور جلساته. كما سيشارك الرئيس وفق- مقترح لجنة فبراير- في جزء كبير من الصلاحيات التي يتمتع بها مجلس النواب حاليا ومنها تعيين وإقالة رئيس جهاز المخابرات العامة بعد موافقة مجلس النواب, وإعلان حالة الطوارئ والحرب والسلم, واتخاذ التدابير الاستثنائية بعد موافقة مجلس الدفاع والأمن القومي, علي أن يعرض الأمر علي مجلس النواب لاعتماده في مدة لا تتجاوز عشرة أيام, وعقد الاتفاقات والمعاهدات الدولية علي أن تتم المصادقة عليها من مجلس النواب.

وهذا يقودنا إلي سؤال مهم حول مـن هو الطرف الليبي من أطراف الصراع المستعد للقبول بمنح كل هذه الصلاحيات إلي خصومه في حالة خسارته الانتخابات الرئاسية؟! وهذا ما لمسناه في تصريحات ودعوات أصدرها قادة هذه الأطراف عبر وسائل إعلامهم وصفحاتهم بمواقع التواصل, فأغلب هذه التصريحات ترسخ لدي الأنصار أن الانتخابات ستكون سلما خشبيا نصعد به للسلطة, ومن ثم نقوم بكسره وحرقه وكأنك أمام انقلاب وليس انتخابات.

كما أن بعض هذه التصريحات لمحت إلي عدم الاعتراف بنتائج الانتخابات في حالة الخسارة من خلال التشكيك في نزاهتها من الآن, والمراد من هذه التصريحات إيصال رسالة واضحة وهي لو فزنا الانتخابات هي الحل.. ولو خسرنا الانتخابات غير نزيهة, وهي الرسالة الأخطر. كما أن هناك مـن رأي أن الانتخابات يجب ألا تسبق عملية الاستفتاء علي مشروع الدستور, حيث قال رئيس حزب العدالة والبناء, الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين في ليبيا محمد صوان, إن الطريق السليم لإنهاء الأزمة في ليبيا هو الاستفتاء علي الدستور أولا, ومن ثم تأتي الانتخابات,

وهذه التصريحات بحسب اعتقادي مجرد مناورة من قبل جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا للهروب من الضغط الدولي بخصوص إجراء الانتخابات, وهو ما يأتي عكس رغبة جماعة الإخوان في ليبيا الذين يريدون عرقلة إجراء الانتخابات بأي وسيلة, حيث تشير كل التوقعات إلي أن حظوظهم في تحقيق الفوز سواء في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية قليلة جدا وشبه مستحيلة.

كذلك فإن مواقف بعض الدول المؤثرة في الأزمة الليبية متضاربة حيال إجراء الانتخابات الرئاسية في ليبيا, فمن الواضح أن إيطاليا لا تفضل الذهاب إلي انتخابات رئاسية أو حتي إجراء الانتخابات البرلمانية, بالمقابل فإن فرنسا يبدو أنها تري أن حلفاءها لديهم فرصة كبيرة للفوز بالانتخابات الرئاسية والبرلمانية, لذلك تصر فرنسا علي التمسك باتفاق باريس, الذي ينص علي إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في10 ديسمبر المقبل, بينما تري إيطاليا أنه لا معني لإجراء الانتخابات قبل الانتهاء من مصالحة شاملة في البلاد, وهذا ما صرحت به وزيرة الدفاع الإيطالية إليزابيتا ترينتا في24 يوليو الماضي خلال لقائها بطرابلس رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج, حيث قالت: من الخطأ إجراء انتخابات قبل إتمام المصالحة في ليبيا.

وهذا يؤكد أن إجراء الانتخابات يتطلب أولا تسوية سياسية خاصة بالانتخابات الرئاسية وأن تعمل أطراف الصراع معا لوضع ضوابط وشروط وأسس وقانون انتخابي توضح فيه كل الشروط والضوابط للوصول للانتخابات الرئاسية والبرلمانية, وكل ما سبق يتوقف علي مدي جدية المجتمع الدولي, خاصة الولايات المتحدة الأمريكية في حل الأزمة الليبية وحسم الصراع, فهي الوحيدة القادرة علي تقديم ضمانات حقيقية وتسطيع الضغط علي جميع الأطراف وحلفائهم الخارجيين من دول الجوار والدول الإقليمية بضرورة القبول والالتزام بنتائج الانتخابات.

وفيما لم يعد يفصل الأزمة الليبية عن الموعد الانتخابي المحدد في اجتماع باريس سوي أقل من120 يوما, فإن هذه الأزمة يتوقع لها أن تشهد مزيدا من المخاض وربما التبدل السياسي والأمني, جراء تنافس وتصارع الدول الإقليمية والدولية المؤثرة في المشهد الليبي, وفي ظل بطء العملية السياسية, وعدم جدية واضحة لحل الأزمة من قبل أطرافها الرئيسيين, لذلك أعتقد أن الانتخابات الرئاسية في ليبيا لن تجر, وسيتم الاكتفاء بإجراء الانتخابات البرلمانية فقط وإعادة تدوير الأزمة من جديد.

المصدر
صحيفة الأهرام المسائي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى