كتَـــــاب الموقع

نـمـط واحـد للتفـكير

حسن التباوي

شيء عجيب جدا، ذلك التشمّع الفكري الذي يكبل الليبيين أينما وجدوا وحيثما ارتحلوا، ليس النمل وحده الذي يعلق في أفخاخ السكر السائل، فالليبيون قد علقوا ــ دونما تعميم بطبيعة الحال ــ في فخ التفكير الواحد، الذي لا يختلف باختلاف التاريخ والجغرافيا. فما تراه في “امساعد” له نفس تفكير وسلوك الذي ستقابله في بلدة “أبي كماش”. ثمة نمط واحد من التفكير! وثمة نهج تقليدي في إدارة هذا النمط المتخشّب، الذي لا يتطور. فبعد قضاء عقود في الدول المتقدمة يأتي ابن جيراننا بنفس الأفكار البالية التي تجرّعها أو جرَّعها إياه المجتمع مذ كان طفلاً، دون أن ينجح في تبني الثقافة الجديدة التي عايشها، ودون أن يتمكَّن من إعادة النظر في ثقافته الأم. فالدكتور “زهير” على سبيل المثال لا يختلف في شيء عن زميله السابق الفاشل والعاطل “امراجع” الذي لا لم يُخلق في هذه الدنيا إلا ليحرس أخواته وكل نسائه من الوقوع في موبقة قد تطيح بشرفه العالي. وكذلك يفعل “زهير” الذي تسكع في شوارع نابولي وحضر رويال ألبرت هول، مع حسناوات أوروبا دون أن يفكر في شرفهن، كونهن أمر واقع وقائم في حد ذاته، قبل أن يأتي إلى بلادهن. تماما مثل نظرته تجاه نسائه في ليبيا، فإن واقعهن كما كان عليه الحال قبل أن يغادرهن، فلا شيء يتغير قبل سفره أو من بعده. تأتي إلى “مربوعته” مهنئا إياه بنيله الدكتوراة، فيقوم إلى داخل بيته لتمدّ له نساؤه الخانعات المتخمرات أطباق الحلوى بصمت، ثم يغلق الباب الجواني بحذر، كما لو كنّ سيأتين إلى مجلس الرجال فيفضحنه! أو أن تتسل كضيف إلى حرم حريمه فتصيبهن، في كوميديا سوداء جوهرها عدم الثقة في أي كائن في مسائل تتعلق بالحريم.

الليبيون في تفكيرهم الجماعي اللاواعي، لا ينظرون إلى ليبيا كبلدهم الذي يستعدون للتضحية بكل شيء من أجله، بل كمصرف يغدق عليهم المال، ثم ينصرفون عنه بعد إفلاسه أو شبعهم. تقريبا تمت التجارة بكل شيء! ولا زال كل شيء معروضا للبيع، حتى رمال الشاطئ تجري المساومة عليها، بعد عصر طويل من فساد إداري تذيلت ليبيا فيه قائمة الدول التي يتبنى شعوبها فكرة النزاهة.

احتقار الأجنبي هي الثقافة السائدة في ربوع البلاد، فالليبي مقتنع جدا ومتفائل كون دولة أجنبية ما تمنحه الجنسية ويكون من رعاياها. ولكن من المستحيل أن يقتنع أن صوماليا أو صينيا أو إيرانيا قد أصبح مواطنا ليبيا، ولن يعترف بذلك حتى وإن كان بموجب القانون. سيظل حينها يتولول ويستشهد به على المهزلة التي رآها ويتحسر على مآل البلد، دون أن يتعب نظره إلى شارعه الميء بالقاذورات ولا إلى مدينته الشبيهة بالمعتقل، وثمة اعتقاد جازم أن ليبيته امتياز وأفضلية على سائر مواطني بلدان العالم. لعلي أتذكر في هذا المقال ليبيا شاطرني السكن في القاهرة. كان ما انفك يتشاجر مع كل شخص يتعامل معه، حتى اختلف ذات يوم مع عامل النظافة، فتشاجرا وسبه العامل بينما وقع صديقنا في صدمة وهو يهذي: ” ت أنا ليبي كيف يقولي هكي ليش ما احترمني… ت أنا ليبي وهو مصري”،.

أتذكر أيضا أحد المحظوظين ــ حسب رأيه ــ لأنه حظي بالجنسية السويسرية، وكان يعيّرني دائما بجنسيتي الليبية التي لا قيمة لها كما يقول والتي لم أستطع اكتساب غيرها. رغم أنه من الطفرة التي تتغنى بالأمة الليبية غير الموجودة وبدولة المواطنة المغتالة. تحاورنا ذات ليلة حول قضايا الوطن، فكنت أنتقد المواطنين لا الوطن، بينما كان يعقد مقارنات بين السويسرا المسامحة الطيبة التي منحته الجنسية بإرادة الدستور والقانون وبين ليبيا التي هرب من ظلمها واضطهادها له. وكان دائما يذكر روعة سويسرا وإنصافها، وكنا وقتها في محض حديثنا عن المهاجرين الذين يرغبون في بلوغ أوروبا، فقلت أنني لو أُعطيت لي صلاحيات، لأعطيت الجنسية لهؤلاء الهاربين من ويلات مجتمعاتهم. فنهرني متعصبا رافضا أن تُعطى لهم الجنسية، فهم أفارقة بحسب وصفه وأن ليبيا لليبين فقط. فقلت له ما دامت سويسرا قد جعلتك أحد مواطنيها عن طيب خاطر كما تقول، فما الضير لو منحت ليبيا حق الجنسية لهؤلاء المساكين؟

كان ذلك سؤالا لم يجد الإجابة عنه، فاتهمني بأنني من الجنوب وأهل الجنوب سيتحملون مسؤلية التغيير الديموغرافي في ليبيا، ثم صمت.

الليبيون في تفكيرهم السائد لا يفرقون بين الحياة العامة والحياة الخاصة، فمدرس الفيزياء في المدرسة الثانوية بالقرية لا يُنظر إلى علمه الذي هو محور حياته وسبب وجوده بالمدرسة ومنه يكسب رزقه. فالأمهات التي يعرفن أمه الخرساء التي تتصرف ببلاهة حسب ما يرين، ويخبرن أولادهن في البيت أن هذا ولد حليمة الهبلة، فتتشوه صورة الأستاذ في نظر تلامذته، الذين يحبطون من وراء ظهره مكانته الرفيعة كمعلم وينسبون اسمه إلى أمه لا من باب مساواة الرجل بالمرأة، بل من باب الاستهزاء والازدراء .

من هذه الأفكار البسيطة والشائعة تتشكل ثقافة المجتمع الليبي بسذاجته وازدواجية معاييره، وهي ثقافة يتبناها الولد الصعلوك في الشارع ويتبناها في ذات الوقت المثقف النخبوي المؤمن بعدم جواز مقارنته مع مجتمعه؛ كونه أسمى و أجل من أن يكون طرفا في مقارنة غير عادلة تجمعه بمن يحتقر جهلهم. وهو الذي لم يسهم أو يحاول القضاء على هذا الجهل الذي يتجلى بتقسيم بيته إلى “مربوعة” ودار “للحريم”، لكن الغريب في المسألة أننا بالرغم من وضوح موقفنا في عدم التورط بالتعميم، إلا أننا نلاحظ أن كل بيوت الليبين مقسمة ذلك التقسيم، فمن منَّا ليس له بيت مصمم على هذا النهج؟ سواء كان مستأجرا لهذا البيت، أو مغترب يعيش خارج أسوار الوطن.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

خاص 218

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى