مقالات مختارة

معركة الأقصى… حقائق وأكاذيب

إميل أمين

منذ نهار الجمعة الماضي، ومعركة كبرى أخلاقية في معظمها تدور من حول المسجد الأقصى، سيما بعد إغلاق قوات الاحتلال أبوابه لمدة يومين.
وسط الأزمة، بدا وكأن الحقائق تكاد تضيع وسط الأكاذيب، جلها على الجانب الإسرائيلي، وبعض منها، ومن أسف، في ناحية بعض من العرب والمسلمين، في حين عملت أطراف عربية إسلامية على إنهاء الأزمة من دون ضجيج، كشأن الكبار دوماً في مواجهة الإشكالات الجسام.
الأكذوبة الأولى روّجت لها الصحافة الإسرائيلية الأيام القليلة الماضية، عبر تصوير المشهد وكأن هناك هاجساً غير حقيقي يؤرق الفلسطينيين والعرب ومليار ونصف المليار مسلم حول العالم، يتعلق بمخططات إسرائيل جهة الأقصى.
يكتب بن درور يميني، عبر صفحات «يديعوت أحرونوت»، نهار الأحد الماضي، عما يسميه «فرية الأقصى في خطر» وعنده أن المسألة برمتها «أكذوبة» روّج لها مفتي القدس الحاج أمين الحسيني منذ عشرينات القرن الماضي.
هذا حديث إفك. فالنوايا الإسرائيلية تجاه الأقصى لم توارَ أو تدارَ أبداً، بدءاً من بن غوريون، أول رئيس وزراء لدولة إسرائيل القائل: «لا معنى لإسرائيل من دون القدس، ولا فائدة للقدس من دون الهيكل المطلوب لإقامة وتقديم الذبيحة التي بطلت منذ نحو ألفي عام».
لم يعد سراً أن «وزارة الأديان الإسرائيلية» قد أعدت لوائح جديدة تسمح لليهود بالصلاة في الحرم القدسي ساعات معينة ودائمة، للمرة الأولى منذ احتلال القدس عام 1967. كما أن حكوماتها المتعاقبة تمضي بخطة ممنهجة في تهويد القدس.
قبل نحو عام أو يزيد قليلاً، نشر معهد «ماجرموحوت» الإسرائيلي لاستطلاع الرأي، نتائج بحث حول فكرة تقسيم الأقصى بين المسلمين واليهود، وفيه أيد نحو 59 في المائة من الإسرائيليين الطرح من ناحية الزمان والمكان، فيما أوضح الاستطلاع أن نحو ثلث الإسرائيليين يؤيدون بناء الهيكل، وذهب 66 في المائة من المستطلعة آراؤهم إلى أن حائط البراق هو أكثر المعالم المقدسة لدى الشعب اليهودي.
والشاهد أن الحديث عن الأقصى والمخاطر المحدقة به لا يمكن فصله أبداً عما يجري للقدس، في محاولة واضحة وفاضحة لتغيير هويتها الديموغرافية وتبديل ملامحها الجغرافية، ما يؤكد أن حديث «فرية الأقصى» هو ضرب من ضروب الأكاذيب.
مشهد آخر بات جلياً أنه غير صادق، شخوصه عدد من الدول والمنظمات الرافعين للرايات الفاقعة والصائحين بالأصوات الزاعقة، في دفاع وهمي، عن الأقصى. والمتابع للتصريحات الصادرة عن هذا الفريق، يدرك كيف أن أطرافه تمارس أعلى درجة من درجات الديماغوجية، والعمل على استجلاب تعاطف ومودة جماهيرها المغيبة بشعارات جوفاء، لا تحل أزمة ولا تنهي احتلالاً، الأمر الذي يكشف للجميع زيف تلك الدعاوى.
ليت الأمر توقف عند الحدود، لكنه يتخطاها في محاولة لتحميل أنظمة عربية بعينها وزر ما تقوم به إسرائيل، وتوزيع اتهامات من عينة «الصمت المر»، و«التماهي غير الأخلاقي مع العدو»، وكأن ذنب تلك الأنظمة أنها تسعى إلى حل سلمي شامل وكامل وعادل، يحفظ الحقوق الفلسطينية، ويضمن صيانة المقدسات الإسلامية.
يبقى الكبار أبداً ودوماً رجال أفعال، وليسوا أصحاب أقوال مفرغة من القيم والمضمون، عطفاً على الحقائق، يفكرون بعزم ويعملون بحزم. وتاريخ المملكة في دعم القضية الفلسطينية والمقدسات الإسلامية في القدس شاهد على ذلك، لا سيما في لحظات فقدان الأمل، كما فعل المغفور له الملك فهد بن عبد العزيز، عندما تدخل لدى الرئيس ريغان لإنقاذ ما تبقى من المقاومة الفلسطينية في لبنان، ورحيلها إلى بيروت ثم إلى تونس، فيما اكتفت وقتها الأصوات المنحولة ذاتها بإثارة الغبار للتغطية على تخاذلها وازدواجيتها المشبوهة.
معركة القدس تحمل لنا حقيقة أخرى مهمة، وهي أن واشنطن لا تزال لها اليد العليا في العلاقة مع تل أبيب، ما يعني أنه لو وجدت إرادة أميركية صادقة في تحريك مشهد السلام المتعثر، لحدث ذلك في أسرع وقت.
ذات مرة تحدث الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر بالقول: «إن أميركا تبدد هيبتها واحترامها الدولي وسمعتها، وتزيد من كثافة الإرهاب المضاد لها، عن طريق تسامحها وتسترها غير الرسمي على أعمال إسرائيل في الاستيلاء على أراضي الفلسطينيين واستعمارها».
الخلاصة: الكبت والفصل العنصري والعنف الدائم الإسرائيلي لا يفيد، وقلب الحقائق ودغدغة المشاعر يضر بالأقصى. الحقائق لا الأكاذيب هي التي تخلص.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

صحيفة الشرق الأوسط

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى