كتَـــــاب الموقع

لا وطن للمزاح يا شيرين

سالم العوكلي

لودفيك إحدى شخصيات رواية “المزحة” أول رواية كتبها التشيكي ميلان كونديرا في ستينيات القرن الماضي ـ يبعث لصديقته ماركيتا المتحمسة للشيوعية، برسالة يمازحها فيها، نصها يقول: “التفاؤل هو أفيون الجنس البشري . الروح المعافاة تفوح بنتن الغباء . عاش تروتسكي” لكن هذه المزحة الساخرة من صديقته التي ابتعدت عنه لتشارك في ملتقى عقائدي، تقلب حياته رأسا على عقب حين تسلم ماركيتا الرسالة لزملائه في الحزب وفي الاتحاد الطلابي باعتبارها رسالة ساخرة من عقيدتهم الشيوعية، ويحاول لودفيك أن يدافع عن نفسه بكون هذه الرسالة مجرد مزحة مع صديقته كتبها بعفوية ودون تفكير، لكنهم لم يقتنعوا بتبريره ، ويقول المحقق معه :”من المحتمل أنك لم تكن لتكتب هذا لو فكرت أكثر من ذلك. بهذه الطريقة كتبت دون قناع. بهذه الطريقة نعرف على الأقل من أنت. نعرف أن لك وجوهًا: واحدًا للحزب وثانيًا للآخرين.”.

لم تكن الرواية عن لودفيك فقط لكنها كانت رواية عن العصر برمته، حيث في نظام يتفسخ تغدو المزحة جزءا من واقع تتحكم فيه سلطة الهزل الذي يتبدى مرارا أمام أبطال الرواية. وهكذا يقضي لودفيك فترات طويلة تحت عقاب الأشغال الشاقة وتنهار حياته بالكامل بسبب مزحة غازل بها صديقته، لكنها غير قابلة للمغفرة لأن على رأس المنظومة “بطحا تتحسس عليها”.

في المجتمعات التي تطبق عليها أيديولوجيات التجهم، سياسية كانت أم دينية، يغدو المزاح لمن يقترفه تهمة باعتبار الفكاهة تُقوُض ثقافة التقديس، أو “المقدس والفكاهة نقيضان” كما يقول كونديرا. لذلك تحاول المغنية المغضوب عليها، شيرين عبدالوهاب، التي مازحت جمهورها بتعليق مس العصب العاري، أن تعتذر دون جدوى، فالغاضبون منها يدركون أنها مزحات ثقيلة بقدر ما تعكس الحقيقة أو بعضها، وبقدر ما تعبر عن عصرها، فهل كانت فعلا شيرين المحبة للمزاح تمزح أم أنها قالتها “دون قناع” كما يعتقد الذين نصبوا لها محكمة شاسعة، من سياسيين ومحامين وفنانين وغوغاء؟. وأكثر المتعاطفين مع صوتها العذب طلب منها تقديم طقوس الاستتابة، لكن شيرين لا تتمتع فقط بعذوبة صوتها بل مُشبَعة أيضا بروح الفن المشاكسة التي تجعلها تقول ما تفكر فيه ولا تفكر في ما تقول، وربما ما كانت لتقول ذلك “لو فكرت أكثر من ذلك” كما قال المحققون للودفيك الذي خسر حياته وحبه بسبب تلك الدعابة المرة.

قبل ذلك قالت شيرين مزحتها العفوية عن ماء النيل والبلهارسيا فتعرضت لحملة شعواء من قبل بنى التخلف السياسية والاجتماعية المشحونة بمنظومة إعلام هائلة، وهاجمها حتى من يقضون حاجاتهم أو يصرفون نفاياتهم في مائه، لكن لا أحد يجرؤ على أن يخدش ماءه بعبارة حتى وإن كانت على سبيل المزاح، فهل كان سيحدث هذا في دول بها أنهار عظيمة مثل الأمازون أو المسيسيبي أو الدانوب أو الراين أو التيمز حين يتحدث أحد ما عنها بهذا الشكل؟. كان الكاتب الأمريكي هنري ميلر الذي عاش معظم حياته خارج الولايات المتحدة يسمي أمريكا “الجحيم المكيف” لكن لم يتوقف فخر الأمريكان به، ولم توقفه نقابته عن الكتابة، ولم يتوقف عن حبه وزيارته لأمريكا التي يحلم بها ولها. من جانب آخر ثمة كُتّاب وفنانون إسرائيليون ينتقدون بشراسة دولتهم ويتعاطفون مع حقوق الفلسطينيين، لكن لا أحد منهم تعرض لتحقيق أو طرد من النقابة أو مطالبة باعتذار، وهذا الاحترام لمواطنها هو السلاح الأقوى وليس سلاحها النووي.

فنانون كبار مثل حلمي بكر وهاني شاكر؛ اللذين قضى صديقهما الفنان عبدالحليم حافظ نحبه بسبب بلهارسيا النيل، يستهجنان هذه العبارات، كل بطريقته، وكل تحت ضغط “لقمة العيش”. حلمي بكر يقول: “نصحت شيرين أن تغني فقط ولا تتكلم”.، وهل بالمقابل على السياسي أن يتكلم فقط ولا يغني، والمرة الوحيدة التي غنى فيها مستبد احترقت روما؟!. وهل كان يحق للمغني عبدالحليم حافظ، أن يتكلم ؟ أم كان عليه أن يصمت ويكتفي بالغناء فقط وبلهارسيا النيل تنهش كبده وهو يغني لمصر ونيلها الأسمر ” الدنيا من بعدك مره يا ساقى وادينا الحياة ..د اللى يدوق طعمك مرة .. م المستحيل أبدا ينساه”.

بينما الفنان الكبير هاني شاكر، نقيب الموسيقيين، يوقف شيرين عن الغناء، وكأنه لم ير أبدا تلك الملايين من الحشود التي ملأت شوارع مصر بهتافها : “عيش .. حرية .. عدالة اجتماعية”، ويضيف شاكر: “الموقف الذي أنا اتخذته هو موقف الدولة كلها”، وكأنه مازال يعيش مرحلة ما قبل ثورة يناير عندما كان رئيس النقابة موظف عند الحكومة وليس منتخبا من الفنانين من أجل حمايتهم، في الوقت الذي من المفترض أن يملي عليه منصب مثل هذا، مهنيا وأخلاقيا، أن يكون الفنان أهم من الدولة، وأن يدافع مكتبه القانوني عن كل عضو في نقابته مهما كانت جريمته.

بينما المحامي سمير صبري، الذي يدافع عن كل جماد وطوطم في مصر ما عدا حقوق الإنسان، يتقدم ببلاغ عاجل للنائب العام ضد المطربة المصرية شيرين عبد الوهاب، يتهمها فيه بالتطاول على مصر ونشر أخبار كاذبة واستدعاء المنظمات الحقوقية المشبوهة التي تعمل ضد البلاد للتدخل في الشأن المصري. وكأن تلك المنظمات التي كم كتبت تقاريرها عن خبايا العالم كله تنتظر دعابة من شيرين لتباشر عملها.

في سياق الهزل المطبق على هذه المنطقة، سبق للقذافي أن أخرسَ الكثير من الفنانين المخلصين لضمائرهم ممن لم يستطع ترويضهم للتغني بمملكته الوحشية، وسبق له أن أعدم المطرب عمر المخزومي حين لفق له تهمة التآمر على إقطاعيته ليبيا، شنقه مع مواطن مصري في ميدان عام بينما شاعره ومطربه الخاص (العزومي) يغني قرب الأجساد المتدلية من المشانق، وسبق لحنجرة المطربة ذكرى محمد أن اخترقها الرصاص بسبب أغنية. ذهب القذافي إلى مكب نفايات التاريخ وظل صوت المخزوم شجنا في قلوب الليبيين، وظل صوت ذكرى يصدح حتى الآن ودائما في أرجاء الكون بينما ذهب قتلتها إلى مقبرة النسيان.

في هذا الهولوكست المسمى العالم العربي تنتشر المناشير (جمع منشار) لتقطيع لحم من يخرج عن النص، مناشير تُقطّع لحم الميت وأخرى غير مرئية تُقطِّع اللحم الحي لكل من عبر عن رأيه ولو بمزحة، ليس فقط من قِبل السلطة السياسية لكن المناشير كانت في أيدي الكثيرين من الغوغاء ومن الإعلاميين ومن الفنانين، والحجة دائما كما في حالة شيرين (دي مصر). ومن هي مصر من غير البشر (المصريين) الذين يعيشون فوقها ومنحوها تاريخها وهويتها وروحها وشعائرها وكيانها وجمالها، مصر هي الفلاحون والعمال وأكتاف الحمالين والجنود والهاتفون بالعيش والحرية، ومصر هي سيد درويش وأم كلثوم وطه حسين ولويس عوض وتوفيق الحكيم وسلامة موسى ومحمد صلاح ويوسف شاهين ونصر حامد أبوزيد وإبراهيم عيسى والشيخ إمام ونجيب سرور وخالد يوسف وشيرين عبدالوهاب، والقائمة طويلة من عشاقها الذين منحوا اسم مصر رنته الخاصة ومعناه. ولكي تكون مصر عظيمة لابد أن يكون مُقدسُها الأرضي الوحيد هو الإنسان الذي يحمل جنسيتها، ولابد أن يُحترم ضميرها من الفنانين الذين درَّبَهم حب الجمال على أن يكونوا حالمين للحد الأقصى وأن يكونوا ناقدين لكل شائبة، فالعاشق لا يطلب من معشوقته سوى الكمال.

في هذا العصر لا يمكن لأحدنا أن يكون إنسانا إلا بقدر ما يكون مواطنا، ولن يكون مواطنا إلا بقدر ما يكون حرا، لذلك لكي تكون مصر كما يحبها المصريون، وكما تليق بالتبجيل، لابد أن يكون فيها المواطن أهم من الوطن، وعرق المصري أهم من ماء النيل، ولحم أكتاف الحمالين أهم من طميها، وكوابيس فنانيها أهم من أحلام طغاتها.

وينطبق هذا على كل مجتمعات المنطقة الناطقة بالعربية التي ندرك نحن قبل أن يدرك الآخرون أنها في الحضيض وأن العالم تجاوزنا بمسافة فلكية، ونختلف حول الأسباب التي أزاحتنا خارج التاريخ، والسبب الجوهري؛ أننا مازلنا نقدس الطواطم والجماد أكثر من الإنسان (المواطن). الإنسان الذي حين ينال حقوقه وحريته وفرصته في الإبداع قادر على أن يجعل أمته في الواجهة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى