مقالات مختارة

فكاهات الثورة

راشد الخالدي

من الملاحَظ عالمياً أن الثورات تطلق سيلاً من الفكاهات والسخرية، والسبب، كما ذكر فرويد في تشريحه للفكاهة، هو وجود الفارق بين الواقع والخيال؛ فالثورة تعد بالكثير، ولكن ما تنجزه دون ذلك بكثير.

وشاعت النكات والتقليعات بعد كل الثورات التي شهدها العالم العربي. ولا عجب أن انتقل يوسف وهبي من التراجيديا التي عودنا عليها إلى الكوميديا بعد الثورة! سألوا رجلاً: «إيه رأيك في الثورة؟»، فقال: «أيوه حلوة تمام، ولهذا أقول: عاوزين ثورة ثانية».

غيرت السلطات كل ما نُسِبَ للملك والملكية إلى الثورة والثورية، فظهر «حانوتي العهد الجديد» و«جزارة الثورة» و«حاتي الجيش» و«حاتي نجيب»، بدلاً من «حاتي الملك». وفي العراق غيروا اسم «المقبرة الملكية» إلى «مقبرة الثورة»!

احتل الضباط مكانة رائقة، وتمتعوا بامتيازات كثيرة. وبرزوا بوصفهم مندوبي القيادة، وأصبحت الكلمة مسبّة ومسخرة على ألسن الجمهور. راحوا يمنحون أنفسهم ما شاءوا من المخصصات.

ذهب ضابط ليقبض راتبه فسلمه المحاسب مائة جنيه. تعجب من ذلك فسأل: «بس، أنا راتبي ثلاثون جنيهاً؟!». أجابه المحاسب: «السبعون جنيهاً بدلات. أيوه بدل ميدان وبدل لبس وبدل تمثيل… إلخ».

أبرزت الثورة شخصية الضابط كسيد قومه؛ يفعل ما يشاء ويقول ما يشاء. في زحمة الوقوف في الأوتوبيسات وقف رجل وداس بقدمه قدمَ رجل آخر. صبر الرجل الآخر، وتحمل الألم بمرارة، ولكنه في الأخير لم يطق صبراً، فسأله: «سيدي أنت ضابط في الجيش؟». قال: «لا، أبداً». عاد فسأله: «والدك المحترم ضابط بالجيش؟»… قال: «لا، أبداً». سأله: «يعني حضرتك تكون متجوز بست بنت ضابط؟». قال: «لا». قال: «ممكن في عائلتك واحد من الضباط؟»، قال: «لا»، فنظر في وجهه غاضباً ثم سدد له لكمةً قاسيةً في وجهه دفعته بعيداً عنه… «الله! أمال يا ابن الكلب، كابس على رجلي كده كل هالوقت وانت مش ضابط ليه؟».

كثرت الحكايات والطرائف عن عنجهية شريحة الضباط، وتميزهم وتعاليهم على الآخرين.

وفي مناوشة أخرى في الترام صفعت امرأة أحد الضباط بعد أن ضايقها بحركاته وتحرُّشه بها. لاحظ ذلك راكب آخر فانبرى متطوعاً، وانهال بالضرب قلماً بعد قلم على الضابط. أمسكت الشرطة بهما، وأحالتهما للمحاكم. سألوا المرأة: «لماذا اعتديتِ على الضابط؟!». قالت: «حاول أن يزنقني في الترام فضربتُه». التفت القاضي للرجل وسأله السؤال نفسه: «وأنت ما دورك في هذه المشكلة؟»، فأجابه قائلاً: «والله يا حضرة القاضي افتكرت صار انقلاب، والناس راحوا يلطشون بالضباط».

…………………

الشرق الأوسط

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى