كتَـــــاب الموقع

غرقُ “مُوسكفا” تجسيدٌ لغرق بوتين

فرج الترهوني

من لديهم إلمامٌ ما، بما يعرف بالأعمال القتالية البحرية (Naval Warfare) مثل حالتي، بعد أن قضيتُ نصف عمرٍ في هذه المهنة الممتعة/ المعقدة، يدركون فداحة الخسارة، وهول الكارثة التي حلّت، بالاتحاد الروسي، وبقواته البحرية على وجه الخصوص.

حظيتُ بالتخرج من واحدة من أعرق الأكاديميات البحرية في بريطانيا، وتلقي دورة أركانات وقيادة، في أهم الكليات في الاتحاد السوفييتي، كما قُيّض لي إتمامُ دورةِ أركانٍ في سوريا بإشراف وتنظيم معلمين روس، ولهذا أزعم أنني أعرفُ قليلا عن العقيدة العسكرية الروسية، وأساليب خوضهم للأعمال القتالية. وبالتالي لم تفاجئني مطلقا الهزيمة القاسية (حتى الآن) التي تلقاها أحد أكبر الجيوش في العالم على يد الأوكرانيين، حول كييف وفي شمال البلاد.

ولم أتفاجأ مُطلقا بمشاهد تلك الدبابات المدمّرة للدولة العظمى، والأوضاع الفوضوية المزرية التي تركها المقاتلون الروس وراءهم، في المواقع التي كانوا يقيمون بها، ولا بتلك الأخبار المتداولة عن قافلة المعدات البالغ طولها ستين كيلومترا في الأيام الأولى للحرب، والتي تعثرت بسبب فوضى لوجيستية، وشحّ في الوقود والتموين، دونما حاجة أن نذكر مقاومة الأوكرانيين الباسلة، التي ربما كانت العامل الأكثر أهمية. ومنذ أن أعلن الكريملين دعوته لقدوم مقاتلين أجانب في صفه، والكذب على المقاتلين (مجندين في معظمهم) بأنهم ذاهبون للتدريب على الحدود الأوكرانية وليس إلى الحرب، إلى جانب إجبار نحو مئة وخمسين مليون روسي على عدم التلفظ بكلمة حربٍ في وصف غزو أوكرانيا، تحت طائلة السجن لخمسة عشر عاما، أيقنت أن الروس الذين عرفتهم لم يتغيّروا قيد أنملة، وأنهم ذاهبون، لا محالة، نحو هزيمة مدوية، ما لم يستخدم بوتين، الأسلحة النووية، وعندها تنقلب كل المعطيات وتتعدد الاحتمالات…

غرقُ سفينةِ القيادة وبارجة الأسطول الروسي في البحر الأسود، وجوهرة التاج للسفن القتالية، طرّاد الصواريخ الموجهة “موسكفا” يُعدّ بِحقّ، كارثة ونكسة وهزيمة من العيار الثقيل للاتحاد الروسي وقواته المسلحة، مهما كانت الظروف والملابسات التي فٌقدت فيها عروس السفن.

طاقم موسكفا يَعدُّ أكثر بقليل من خمسمائة بحار من مختلف الرتب، وقد حتّمت التكنولوجيا الحديثة، التعويض عن كثرة الأعداد كما في السفن القديمة، لصالح هذه التقنيات الحديثة، ولهذا تحملُ موسكفا ستة عشر صاروخا بالستيّا موجّها بعيد المدى. بالإضافة إلى العديد من المدافع والأسلحة المتنوعة المميتة الأخرى. وأهمها وسائط ما يُعرف بالحرب الإلكترونية، التي كان يجبُ أن تُحبط أي هجوم غادر على هذه الجوهرة الثمينة، إذا ما كانت هناك عقيدة قتالية تكتيكية تنظّم طرق الاستخدام الأمثل والصحيح لتلك المنظومات المتطورة.

هذه الحادثة دخلت التاريخ باعتبارها تمثّل غرق أكبر السفن الحربية تطورا، وأشدّها بأسا، منذ الحرب العالمية الثانية. وإن كان غرقُ السفن في المعارك البحرية ليس بالأمر الغريب، ففي الحرب الكونية الثانية غرقت مئات السفن وحاملات الطائرات، التي كان يُظن أنها منيعة. لكن ذلك حدث أثناء أعمال قتالية لقوى متصارعة تكاد تكون متكافئة في الإمكانيات. أمّا في حالة روسيا/ أوكرانيا فلا مجال للمقارنة بين قوة وإمكانات الدولتين.

ادعاء كييف بإغراق الطراد بصاروخي “نيبتون”، وإصرارُ الروس على أن الغرق حدث بعد نشوب حريق، لا يُغيّر شيئا من الواقعة الكارثة، ولكن من منطلق مهنيّ بحت، قد يؤمن به غالبية البحارة، فقد كان أكثر مدعاة للشرف المهني، ان يُقرّ الروس بواقعة تعرض السفينة لهجوم بالصواريخ، وفشل أنظمة الدفاع الإلكتروني في كشفها في الوقت المناسب ومقاومتها لسبب ما، كما يحدث في المعرك، عوضا عن القول بنشوب حريق في مخازن الذخيرة أدّى في النهاية إلى فقدها، فهذا العُذر يدلّل، بلا شكّ، على إهمالٍ شنيع، وانعدام انضباط مريع في صفوف صنفٍ قتالي يُضرب به المثل في العالم على حسن التنظيم والانضباط الصارم والاستعداد الدائم لمنع حدوث الكوارث، وبالأخص في زمن الحرب.

المعركة لم تنته بعد، والعالم ينتظر بفارغ الصبر تاريخ التاسع من مايو، الذي سيعلن فيه بوتين نصره المبتور، على الدولة الجارة، و (ابنة العم) بعد أن يكون قد سوّى مدنا وقرى بكاملها بالأرض، وقضى على عشرات الألوف من المدنيين المسالمين في مذابح سبق وأن نفذها في سوريا دون حسيب أو رقيب، لكن هذه المرة لن تسلم الجرّة…

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى