اهم الاخباركتَـــــاب الموقع

علاوة الأبناء: ممنوع على +18

سالم العوكلي

لا أعرف، بناء على أي دراسات اجتماعية أو اقتصادية أو بيولوجية، صدر قانون بإيقاف علاوة الأبناء حين يصلون إلى السن 18 سنة، وكأن الدولة الليبية الرشيدة تتكفل بالشباب في هذه السن التي تعتقد أنهم أصبحوا فيها مواطنين فاعلين قادرين على الاعتماد على أنفسهم وسد مصاريفهم التي تتضاعف عشرات المرات أكثر مما كانوا يحتاجونه صغارا يتقاضون العلاوة، ويبدو أن هذا (العمر الدولي) حُدد في الدول المتحضرة التي لديها خطط لاحتضان الشبان والشابات بعد هذه السن، ونسخناه حرفيا مثلما ننسخ أشياء كثيرة لا تمت لواقعنا المزري بصلة. فهذا العمر الثري في دولة بخيلة كليبيا هو عمر الإحباط بامتياز، وهو المرحلة التي يتصادم فيها الشاب مع منغصات الحياة إن لم ينخرط في عمل غير قانوني يجنبه اليأس، وما أكثر الفرص غير القانوينة في مجتمع يطلق الشباب في عتمة مستقبل يتحسسون طريقهم بصعوبة وسط كل ما يصادر أحلامهم.

أي ليبي مازال على قيد قواه العقلية، يعرف أن التكاليف والمصاريف الباهضة التي يتكبدها الآباء تبدأ فعلا بعد هذه السن. مصاريف الجامعة إن كانت متاحة، والتنقل والملابس المكلفة وغيرها من شجون المراهقة، وحتى لو تخرج الشاب سيجد نفسه لسنوات في قوائم الباحثين عن عمل، وفي وطن لا معاشات فيه لهذه القوائم من الباحثين عن عمل وما أكثرهم في سياسات دولة لا تُوازن بين مخرجات التعليم وسوق العمل، وحتى إن وجد عملا فمرتبه بالكاد يكفي مصاريفه الشخصية، والأب الذي قضى عقودا من عمره كي يُكوّن نفسه ويبني بيتا وعائلة، يجد نفسه يبدأ من جديد ليُكوّن ابنه من الصفر، حيث الدولة تتخلى عنه تماما فلا مسكن توفره له أو قطعة أرض أو قرض شبابي يساعده على الشروع في في بناء حياته الخاصة.

اقتصر تسجيل اسم المواليد باليوم والشهر والسنة على سكان الحواضر ما قبل الستينيات من القرن الماضي، باعتبار ولادتهم في مستشفيات غالبا ما كانت تقوم فيها الراهبات (السوريلات) بدور الممرضة أو القابلة، وعادة ما تسجل ساعة ويوم الميلاد في شهادة يصدرها المستشفى تحال إلى السجل المدني، أما في الدواخل والقرى والأرياف لم يبدأ التسجيل بدقة إلا بعد العام 1967 رغم أن المواليد مازالوا ينجبون في الخلاء خارج المؤسسات الطبية، ولهذه النقلة أسباب تبدو منطقية.

السبب، حسب ما أعتقد، القرار الذي أصدره رئيس الوزراء الليبي السابق عبد الحميد البكوش بتخصيص علاوة للأبناء بمقدار جنيهين في الشهر للابن، وللزوجة بمقدار 4 جنيهات، ما جعل الأباء يهرعون مباشرة بعد ميلاد أبنائهم لتسجيلهم في السجل المدني في نفس يوم الولادة فرحا بالمولود الجديد وفي الوقت نفسه فرحا بعلاوته المجزية. وهذه العلاوات بمقاييس عصرها كانت تشكل أهمية كبيرة في زيادة الدخل الأسري، فأبي مثلا كان عاملا في المواصلات يتقاضى 16 جنيها في الشهر وتشكل علاوة الابن ثُمن المرتب وعلاوة الزوجة رُبعه، وإن كان له 6 أبناء فسيتضاعف مرتبه، بل أن علاوة الابن في ذلك الوقت كما أخبرني أبي كانت كافية لشراء أضحية العيد أو جزء منها كاف لشراء ملابس العيد، وقد تحسن وضعنا المعيشي بشكل ملحوظ بعد تلك العلاوة، كما أصبح للرجال والنساء الذين ولدوا بعدها يوم ميلاد حقيقي يحتفلون به . كانت العلاوة نسبة من الراتب تزيد إطرادا مع زيادة المرتب وما يتبعه من تضخم وزيادة أسعار، لكن، بعد عامين فقط من تشريع تلك العلاوة، حدث انقلاب 1969 ، ورغم استمرار العلاوة إلا أنها تجمدت كما هي (جنيهان شهريا) طيلة 42 سنة، لدرجة اصبحت أضحوكة وغير كافية لشراء علبة حليب أو كُراسة مدرسية .

بعد سقوط النظام السابق ارتفعت المطالبات بزيادة علاوة العائلة وإيقاف هذه المهزلة أو النكتة السمجة التي استمرت أربعة عقود، واستجابت السلطات في حمى كسب التأييد الجماهيري.

أصدر المؤتمر الوطني العام القانون رقم (6) لسنة 2013 في شأن تقرير علاوة العائلة لليبيين الذين لم يكملوا سن الثامنة عشرة، ونصت المادة الأولى من القانون، على استحقاق كل ليبي ذكراً كان أم أنثى لم يكمل سن (الثامنة عشرة) على علاوة شهرية قدرها مائة دينار غير خاضعة لأية استقطاعات مالية .فيما نصت مادته الثانية ، على بدء صرف العلاوة المبينة سلفاً اعتباراً من 1-1-2013. ولكن سرعان ما توقف صرفها بمجرد أن أنتهت مهمة هذا القانون الدعائي الذي كان بمثابة رشوة للجماهير، واختفت من محافظ المرتبات العلاوة الجديدة والقديمة أيضا، غير أن القانون ظل ساريا كورقة دعائية يمكن استخدامها في أي وقت ومن أي سلطة تحشد التأييد الشعبي، وهو نهج تنفيسي كم تبناه النظام السابق: حجب حقوق المواطنين والإفراج عنها في أي لحظة يحتاج فيها النظام للتنفيس بعض الشيء على مواطنيه الغاضبين.

هذه الفترة تعود أهمية هذه الورقة لإخراجها واللعب بها من جديد رغم أنها حق طبيعي للمواطنين، ويصدر رئيس الحكومة الجديد قرارا جديدا بصرف العلاوة ابتداء من 1/1/2021 وتظل جملة (بدون انقطاع) بين قوسين كما تعودنا على انقطاع كل شيء في حياتنا منقطعة النظير.

كانت علاوة العائلة إبان صدروها الأول تُصرف أيضا حتى بلوغ الابن السن الثامنة عشرة، وكان هذا منطقيا في وقته لأن الدولة متكفلة بكل مصاريف التلميذ وخدماته الصحية والأدوية المجانية، بل أن الطلاب يتمتعون بتخفيضات كبيرة في كل وسائل النقل، والأهم من ذلك أن في هذه السن يدخل عادة الابن الجامعة التي فيها كل شيء مجاني، من البدلات الرسمية وربطات العنق التي تصرف لهم مجانا، إلى المنح المالية الشهرية التي تجاوز أحيانا مرتب الأب في الأسر المحدودة الدخل، إلى توفير الأقسام الداخلية لطلاب المدن والقرى الأخرى وتوفير المواصلات، وبمجرد أن يتخرج الطالب من الجامعة يصدر قرار تعيينه مباشرة، وتتاح له فرص الحصول على مسكن أو أرض وقرض بناء في مقتبل عمره، ويمكنه الحصول على سيارة وأثاث بالتقسيط.

لكن في وضعنا الراهن تتضاعف مصاريف الأبناء حين يصلون هذه السن، والدراسة الجامعية اصبحت مكلفة، ولا توجد منح أو أقسام داخلية أو مواصلات مجانية، فضلا عن الجامعات الخاصة بتكاليف باهضة لمن لا يتحصلون على فرصة الدراسة في جامعات الدولة التي هي أيضا تتطلب الكثير من الرسوم والمصاريف، وألغيت فيها الأقسام الداخلية. والآباء يتحملون كل هذه التكاليف التي تصل إلى 100 ضعف تكاليف الابن وهو طفل او صبي مازال يستحق العلاوة .

من جانب آخر إذا ما كان هذا الطالب محظوظا وتحصل على واسطة لتعيينه مباشرة بعد تخرجه، فإن مرتبه بالكاد يكفي مصاريفه الخاصة، ويحتاج للاستقلال بحياته وتكوين أسرة إلى مسكن وإلى مصاريف عقد قران وإشهار تحسب بعشرات الألوف، إن لم نقل بمئات الألوف مع تدني قيمة الدينار الليبي، وهي مصاريف عادة ما يتكفل بها الآباء أيضا، ولا يقوى على هذه التكاليف سوى قلة قليلة جدا من الميسورين، أو فئة أخرى من السراق والمهربين والمختلسين واصحاب المناصب بمرتبات فلكية.

بالتالي لن نستغرب نسب العنوسة المرتفعة بين الجنسين، ولن نستغرب الفساد الذي تفشى بين بعض الشباب، والاستعداد للانخراط في أعمال غير قانوينة من أجل تغطية هذه التكاليف الباهضة، ولن نستغرب انغماس الكثير من الشبان في عالم المخدرات أو الجماعات المتطرفة أو الميليشيات التي تعدهم بحل مشاكلهم حتى لو تحول بعضهم إلى قتلة مأجورين . ويظل التخلي عن الشباب وإيقاف العلاوة عند سن 18 سنة في دولة لا تقدم لهم شيئا بعد هذه السن مشروعا وطنيا لتدمير هذه الطاقات الخلاقة، ونكتة أخرى نتمنى أن لا تستمر عقودا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى