مقالات مختارة

صدام الروح والجسد

محمد رُضــا

كان الفيلسوف بلاتو يؤمن بأن الروح والجسد منفصلان في كيان واحد. هذا الكيان هو الجسد لكن الروح التي تسكنه لا تنتمي إليه بل تعيش فيه فقط. هذا يشبه من يعيش في بيت استأجره.

بلاتو نفسه هو من رأى أن الروح أعلى شأناً من الجسد، وأنها تحتوي فيما تحتويه على العقل فهو ينتمي إليها وليس إلى الجسد.

ونعلم اليوم أن الجسد يلعب دورين في الحياة. هو بدن قوي يحمي كل ما في داخله، أو بدن ضعيف بالكاد يستطيع درء اعتداءات الظروف عليه. لكن حتى ذلك القوي هو في كامل ضعفه إذا ما أصيب صاحبه بعارض صحي أو سقط أرضاً نتيجة تعثره أو اختلال توازنه.

البعض من الناس يعيش ببدن قوي حتى وفاته. البعض الآخر يعيش ببدن ضعيف حتى وفاته. وفي حالات أخرى، ما كان ضعيفاً قد يقوى، وما كان قوياً قد يضعف.

لكن الروح أصعب مراساً. الأعراض التي قد تتعرّض لها أقل علاقة بأشكال الحياة الظاهرة. ليس عليها أن تتسلق درجات سلم أو تحمل حقائب السفر الثقيلة. على ذلك لا تقل شأناً كلما فكّـرنا بموقعها في حياتنا.

هي موقوتة الحياة. تأتي (بأمر ربها) وتمضي (بأمره أيضاً). قد يبلغ مداها لحظة الولادة، وقد يبلغ ساعة أو يوماً أو أسبوعاً أو 100 سنة. إذا ما عاشت طويلاً فإن الروح تختبر ما يشوب الحياة وتتخذ منه طرقاً ووسائل للتعامل معها أو للهرب منها.

شخصياً، أجد راحتي في الهروب من المشاكل التي أعلم أنني لست قادراً على حلها لأنها خارج سلطتي. لكني لا أهرب لكي أنسى بل لكي أستشف. ألجأ (إلى جانب كلاسيكيات السينما) إلى الطبيعة حتى ولو كانت في شكل شجرة من أشجار الشارع. طير يحط فيلتقط ما يريد ويطير سريعاً لأنه لا يأمن لأهل الأرض. وأهرب للماء كثيراً. ذلك السر الرائع الذي يختزل الحياة برمتها.

وكما ذكرت ذات مرّة تأخذ من الماء قطرة فتجف. لكن هذا ليس ضعفاً لأن النهر قد يفيض وقد يتحوّل إلى فيضان جارف. يبدو أن في الاتحاد قوّة فعلاً.

خلال سفرتي إلى جونية في شمال الساحل اللبناني فكرت إذا ما غرف المرء مقدار كوب من ماء البحر هل ينقص البحر؟
سؤال ساذج؟ لا أعتقد لأنه مبرر. نظرياً (وربما علمياً) طبعاً ينقص البحر مما تأخذ منه. الكوب قد يمثل

0.000.000.000.000.001 أو أقل من حجم ما نراه من الماء (وأقل من ذلك من سعة البحر المتوسط ذاته) لكنه تمثيل حقيقي رغم أن لا كوب ولا مليون برميل يؤثر في حجم ماء الساحل فما البال بالبحر بأسره؟

وجد بلوتو أن الروح التي تبتعد عن المادة الفيزيائية والعالم المجسد بأشكال مختلفة لديها القدرة على أن تصفو وتغذي العقل بما يحتاجه من زاد فكري (سمه بروتين). ونحن في عالمنا اليوم لدينا أكثر من أي وقت مضى. هناك فراغ في الأنفس. متاهات في الحياة. كآبة. تشاؤم. توتر. خوف ومعظمنا ليس مؤهلاً ولا يملك الحل الصحيح. لكن على صعيد فردي ما زلنا نستطيع أن نتعامل وأرواحنا لنرتقي.

………………………

الشرق الأوسط

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى