مقالات مختارة

شاعرها بقلمها

سمير عطا الله

غنّت أم كلثوم لشعراء كثيرين بينهم أميرهم. من مصر ومن السودان ومن لبنان. المحدثون والقدامى. الفصيح والعامي. غير أن اسمها ارتبط في ذاكرة الناس بشاعر واحد هو أحمد رامي. ولسنا نعرف إن كان أحد آخر قد غنى لرامي، ولا من طرح السؤال، كأنما التوأمة بين العملاقين قدر لا يُمسّ.
مَن أفضل من كتبَ عن تلك العلاقة؟ لم أحاول أن أطرح على نفسي هذا السؤال، لأن من الصعب العثور على جواب له. لكنني قرأت سيدة تصف شعر رامي كالآتي: أغنياته حافلة بروائع الصور وبدائع المعاني والخواطر ودقائق الإحساس ومناجاة الأفئدة والتغني بالجمال… الجمال في كل ما هو جميل حتى قل الهوى وتباريح الذكريات».
كاتبة هذا الكلام البديع، سيدة تدعى أم كلثوم، في عدد يناير (كانون الثاني) 1948 من «الهلال»، في مقال تروي فيه كيف التقت شاعرها الذي تصفه بأنه «مجموعة روحانية من الإحساس الملهم، والثورة العميقة المكبوتة، والهدوء الرؤيوي، مع ظرف نادر وخيال محلق وخاطر سريع».
غنّت أم كلثوم لرامي «الصب تفضحه عيونه – وتنمّ من وجدٍ شؤونه» قبل عامين من الالتقاء معه. ولما عاد من باريس جاء يسمعها تؤدي الأغنية في حديقة الأزبكية «وعرّفني بنفسه فكان سروري عظيماً بلقياه». ثم حضر حفلاً آخر لها. وذات يوم، جاء إلى منزلها ومعه أغنية بالعامية: «خايف يكون حبك ليّه – شفقه عليّا – وانتي اللي في الدنيا ديّه – ضي عينيّا».
«وتوالت بعدها الأغنيات التي نظمها لي». وقد تعرفت فيه إلى إنسان «يدين في حياته بالجمال والحنان الجميل. ومن صفاته الوداعة والابتسام الدائم والوفاء».
كانت كوكب الشرق تكتب خواطرها في صحف ومجلات مصر. وقد جمعت هذه في «كتاب اليوم» تحت عنوان «مذكرات الآنسة أم كلثوم». وتروي الآنسة أم كلثوم في هذه المذكرات أنها كانت في الثامنة عندما غنّت لأول مرة بين الناس، ولكن من دون أجر. وفي المرة التالية غنّت من التاسعة مساء إلى الثانية صباحاً وتقاضت عشرة صاغ هي ووالدها وأخوها خالد. ثم ارتفع أجر الفرقة العائلية إلى 25 قرشاً «واعتبرنا أنفسنا بهذا المبلغ من الأغنياء». ثم زاد النجاح عندما أقامت أول حفلة تجارية، وكان «الأجر أول جنيه رأيته في حياتي… وفي سنة 1915 كنت أركب حماراً ويسير أبي وأخي على أقدامهما، وفي 1916 زاد إيرادنا فصرنا نحن الثلاثة نركب حميراً. وحتى سنة 1919 كنت أركب مقاعد الدرجة الثالثة في القطار، ثم ارتفع أجري بارتفاع أسعار القطن فوصل إلى ثمانية جنيهات. ثم قفز إلى عشرة، وأصبحنا نجلس في الدرجة الثانية وأغنّي للكمساري، ومقابل ذلك يسمح لنا بركوب الدرجة الثانية بتذاكر الدرجة الثالثة. وقد كنت أغنّي لذلك الكمساري طوال الطريق ولا أتوقف في المحطات مثل القطار».

____________________

الشرق الأوسط

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى