كتَـــــاب الموقع

“خذ بالك من خوتك”

سالم العوكلي

لا يسعني كل مرة إلا أن أستشهد بهذا الاقتباس الحاد المُرُّ والحصيف للكاتب الفرنسي، إميل ميشال سيوران، الذي يغنيني بحصافته عن الكثير من الثرثرة وهو يرصد مآل الثورات الجذرية التي غالبا لا تملك بديلا يليق بأحلام الناس الذين أبدعوها ثم عادوا إلى معتكفاتهم تاركين مصيرهم في أيدي سماسرة الأحلام؛ من يعتقدون في حكمتهم وبوصايتهم المطلقة على مصير الآخرين: “الثورة الناجحة التي تستولي على السلطة، تتحول إلى ما هو عكس الاختمار والولادة فتكف عن كونها ثورة وتقلد، بل عليها أن تقلد، ملامح النظام الذي قلبته، وكذلك أجهزته وطريقة عمله. وكلما بذلت جهدا من أجل ذلك (وهي لا تستطيع أن تفعل غير ذلك) زادت في هدم مبادئها والقضاء على حظوتها.

تصير الثورة محافظة على طريقتها الخاصة، فلا تقاتل من أجل الماضي، بل تقاتل دفاعًا عن الحاضر. ولا شيء يساعدها على ذلك أفضل من اتباع الطرق والأساليب التي مارسها النظام السابق عليها للمحافظة على ديمومته”.

يحكى من قبيل الطرافة، أو تحوير فكاهي للحكاية الجادة وفق متغيرات جديدة، أن شيخا معاصرا، وهو على فراش الموت، أعطى ابنه حزمة من الحطب ليكسرها، فمسك بها الابن وكسرها بيديه الغليظتين، كان (شيخ الألفية الثالثة) ينوي إذا ما عجز أبناؤه عن كسر الحزمة أن يعطي كل ابن عودا من الحطب ليكسره ثم ينصحهم بالاتحاد لأن فيه قوة، لكن وصيته أجهضت من البداية فما كان منه إلا أن تلعثم وقال لابنه الأكبر الذي كسر الحزمة وكسر معها حكمة الشيخ: (خوذ بالك من خوتك) ولفظ أنفاسه الأخيرة. وسواء أكانت حزمة الحطب هذه المرة هشة أو أن الابن أقوى من خطة أبيه، فإن المهم هو أن هذا التهكم على الحكمة القديمة نابع من الاعتقاد في المتغير، وإن للفرد أيضاً قوته الخاصة وهي التي ترفد قوة الجماعة، وأن ما نختزنه في الذاكرة من حكمة أو مواعظ قد تغدو مع الزمن مدعاة للخيبة أو الضحك. الحكاية المحورة ترصد هزيمة الوصي الذي ما زال ورعا تجاه يقين الفكرة قبل اختبارها، وفوق ذلك يتجاوز إمكانية قوة الفرد في ذاته دون الحاجة لضمه في حزمة (الفرد حين يكون مواطنا كاملا وذاته مستقلة قانونا يصبح قويا) والأهم من ذلك خطر مبدأ الوصايا والوصاية التي تصادر الذات وعقارب الساعة، وهو جانب سينقلنا إلى أداء مؤسسي مشابه تحكمه الأقدار الأرضية المعدة سلفاً، من نظام التعليم إلى التوجيه الإجباري ، إلى نظم الرقابة على الرأي، إلى التعصب الأعمى للفكرة الواحدة والرأي الواحد الذي نجده لدى الأب والمدرس والمدير والفقيه والحاكم، إلى آخر القائمة، والمصير هو هذه الطاقات المهدرة في غير مكانها والمواهب المغتالة في مهدها.

سأسرد قصة أخرى شخصية، ولكنها تتعلق بهذا الشأن، شكلت وما زالت تشكل ظاهرة إلى حد كبير في واقعنا: لقد درست في بداية الثمانينات في كلية الزراعة بالبيضاء التابعة آنذاك لجامعة قاريونس ، وتخرجت بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف، وكنت أطمح للدراسة العليا، لكنني فوجئت كما فوجئ أساتذتي برفض طلبي لاستكمال دراستي العليا رغم أن ترتيبي كان الثاني على الدفعة، وتم اختيار طلاب من ذيل القائمة الأكاديمية لاستكمال دراساتهم العليا، وحتى الآن لم أعرف السبب فيما يتعلق برفض طلبي حيث كنت طالب علم ولم أكن مناضلا أو مشاكسا بأي حال من الأحوال، والذي حدث هو أنه بعد أحداث الحادي عشر من أبريل الدموية داخل الحرم الجامعي، العام 1982 ، في البيضاء، تقلد مسؤولية الجامعة بعض شباب مثابة اللجان الثورية التي أصبحت أعلى سلطة في الجامعة، وغدت الدراسات العليا مقتصرة عليهم وأتباعهم، وأصبح الشرط الرئيسي لإكمال الدراسات العليا مدى الالتزام بالتواجد في المثابة ولو كان على حساب حضور المحاضرات، وكانت حكمة ذاك الزمن فيما يخص التربية والتعليم “الدراسة ليست غاية في حد ذاتها”. منعت أيضا من الحصول على كشف درجاتي الذي كان يحتاج إلى موافقة مكتب المعلومات التابع لمكتب الاتصال باللجان الثورية، حين فكرت في إكمال دراستي على حسابي.

بعد إطلاق سراح سجناء الرأي فيما يسمى بـ “أصبح الصبح”، وتمزيق قوائم الممنوعين من السفر، نشرت مقالة في مجلة “لا” العام 1989، أطالب فيها بتمزيق قوائم الممنوعين من العلم، وثابرت في تقديم طلباتي لإكمال دراستي حتى تم رفضي أخيراً بسبب التقدم في العمر، والغريب أنه، بعدها، تم استدعائي من جديد ضمن مواليد الخدمة العسكرية، ولم يشفع لي التقدم في العمر بالنسبة للدراسات العليا في أن أهرول في ساحة المعسكر طوال اليوم تقريبا. عملت بالمشروع الإنتاجي بالكفرة لفترة، ثم انتقلت ببعض الطموحات المهنية إلى أمانة الزراعة بدرنة، لكنني اصطدمت بميليشيات قبلية تسيطر على هذا القطاع، وتتصارع من أجل مصالح شخصية، ولا علاقة لها بالتنمية أو الوطن، ولأنني لم انخرط في أي جماعة من هذه الجماعات نُفيت إلى مشروع وهمي. بعدها قررت بيني وبين نفسي أن البلد ليست في حاجة إلى استصلاح زراعي ولا طرق ري ولا مكافحة آفات زراعية، بقدر ما هي في حاجة لاستصلاح العقول ومقاومة عوامل تجريفها، ومكافحة آفات التخلف والتعصب، وهذا ما جعلني أنخرط في الكتابة والصحافة والعمل المدني الثقافي. لكن هذا المجالات أيضاً لم تكن بعيدة عن هذه الصراعات وعن بنى التخلف المستشرية، باعتبار أن للتخلف أيضا قواه ومؤسساته التي تدافع عنه بضراوة.

قمتُ، مع مجموعة أصدقاء مهمومين، بتأسيس جمعية بيت درنة الثقافي، والتي تطمح إلى تجميع كل المهمومين بالثقافة ـ وليس الكتاب والأدباء فقط ـ وبتطوير تخصصاتهم، من الأطباء والمحاميين والحرفيين والمهندسين وغيرهم، وأقمنا في ثلاث سنوات ما يقارب المائتي نشاط وفي كل المجالات، ومع صدور قانون الجمعيات الأهلية الجديد رقم (19) أوقف نشاط البيت حتى يتم إشهاره وفق القانون الجديد، ولأنني كنت أميناً للجنة التأسيسية ذهبت إلى مكتب الجمعيات الأهلية للتوقيع على بعض الأوراق، ولكنني فوجئت بمطالبتي بالتوقيع على نموذج تعارف أحدد فيه قبيلتي وأقاربي من الدرجة الأولى إلى الرابعة، ومن منهم تم اقتحامه ثوريا، إلى آخر البيانات التي في مجملها تطلب مني أن أشي بمن أعرفهم، فرفضت تعبئة النموذج، وأخبرتهم إننا نسعى لهذا المشروع الأهلي لأنه قبيلتنا، وأنا لا أعرف درجات أقاربي أو تفاصيل قبيلتي ومن منهم في الجيش أو تم اقتحامه ثورياً إلى غير ذلك، وإن هذا المشروع في الأساس هو ضد هذه البنى المتخلفة التي عاثت في المدينة فساداً وشوهت كل شيء، وفي الأحوال جميعها كان مبدأ الوصاية مهيمناً وأن الذات كقوة فاعلة غير معترف به إلا بوضعها ضمن قطيع.

(العام 2011 بعد هبة فبراير، تم الاستيلاء على مقر هذه الجمعية التنويرية من قبل جماعة مسلحة متطرفة وتحويلها إلى مقر لجمعية “البلاغ” التي تقوم بتصدير الجهاديين إلى الخارج والداخل).

حين أشاهد الآن برامج إيفاد الطلاب للدراسة في الخارج وفقا لتوجهاتهم الأيديولوجية أو انتماءاتهم الجهوية أو القبلية، وحين أشاهد هذه الحرب الشعواء على الثقافة والفن والمثقفين والفنانين والكتب، وعلى منظمات المجتمع المدني، أدرك أن القذافي مات لكن نظامه مازال قائمًا، ولجانه الثورية ما زالت تتسكع في الشوارع بسلاحها، تغتال وتسجن وتصادر كل رأي مخالف أو كل تجمع ثقافي جمالي يسعى لبعث الحياة في هذا الهشيم. وكل ذلك يتم تحت شعور بالوصاية على الناس، على خياراتهم وأذواقهم، على ماضيهم ومستقبلهم، على دنياهم وآخرتهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى