كتَـــــاب الموقع

حسنلّلي

فرج الترهوني

“الروائي التنزاني عبد الرزاق غرنه الذي لمع اسمه فجأة مثل شهاب سطع في سماء مظلمة، بعد نيله المفاجئ لجائزة نوبل المرموقة، تذكّر كثيرون من العرب أنه لا توجد ترجمات عربية لأعماله المتميزة، وهذا بالطبع يعود إلى قضايا النشر والترجمة الشائكة في دنيا العرب..
هذه ترجمة لنزر يسير لمدخل الجزء الأول من روايته (DESERTION) الذي يتحدث فيه عن شخصيّة حسنللي، ويحمل هذا الجزء العنوان نفسه…”

((هناك رواية تتعلق بالمرة الأولى التي شوهد فيها. في الواقع، هناك أكثر من رواية، لكن عناصر تلك الروايات اندمجت معا في حكاية واحدة، مع مرور الوقت وتكرار الحكايات. وفي كل منها يتأكد أنّ وقت ظهوره كان عند الفجر، مثل إحدى شخصيات الأساطير. في إحدى الحكايات، كان ظلًا منتصبًا يتحرك ببطء شديد لدرجة أنه في هذا الضوء الغريب يبدو كأنما يتحرك تحت الماء، وكان اقترابه غير محسوس تقريبًا، ويزحف ببطء إلى الأمام مثل قدَرٍ محتوم. في رواية أخرى، أنه لم يكن يتحرك على الإطلاق، فلا تظهر عليه هزة أو ارتعاشة، وإنما يلوح في الأفق على حافة المدينة، بعيون رمادية تلمع، في انتظار ظهور شخصٍ ما، شخصٌ ما يكون حظه المحتوم العثور عليه. ثم، عندما حدث ذلك وعثر عليه ذلك الشخص، انزلق نحوه، لتحقيق نتائج لم يتوقعها أحد. ادّعى شخصٌ آخر أنه سمعه قبل رؤيته، وأنه سمع توسّلاته، وصرخات شوقه في أحلكِ ساعةٍ من الليل، مثل حيوان ما ينبعثُ من إحدى تلك الأساطير. لكن ما كان بلا منازع – على الرغم من عدم وجود خلاف حقيقي بين هذه القصص لأنها أضافت جميعها إلى غرابة ظهوره – هو أن صاحب المتجر حسنللي هو من عثر عليه أولا.

ثمّة حظٌّ في كل شيء، كما حدث في هذا الوصول الأول للرجل، لكن الحظ ليس كالصدفة، وحتى أكثر الأحداث غير المتوقعة تفي بشروط تصميمٍ ما. أي أنه كانت هناك عواقب في المستقبل جعلت مسألة عثور حسنللي على الرجل تبدو أكثر من مجرّد صدفة. في ذلك الوقت، كان حسنللي دائمًا أول شخص يظهر في الصباح في هذه المنطقة. كان قد استيقظ قبل الفجر ليفتح أبواب ونوافذ المسجد. ثم وقف على الدرج ليدعو الناس للصلاة، رافعا صوته ليتردد صداه في كل ركن من الفضاء المفتوح أمامه: الصلاة، الصلاة. في بعض الأحيان كان الهواء يحمل نداءاتٍ مماثلة من مساجد قريبة، حيث يوبّخ صارخون بالأذان غيره، الناس كي يستيقظوا وهم يؤكدون لهم أنّ الصلاة خير من النوم. ربما تخيّل حسنللي أولئك الخاطئين وهم يتقلبون في فرشهم باضطراب نتيجة إقلاق راحتهم، وربما شعر هو بالنقمة تجاههم والرضا الذاتي عن فعله. وعندما ينتهي من رفع الأذان، يقوم بتنظيف الغبار والحصى عن درجات المسجد بمكنسة القشّ التي تمنحه كفاءتها الصامتة متعة عميقة.

هذه المَهمة المتمثلة في فتح المسجد، وتنظيف الدرج، والدعوة للصلاة، ألزم بها نفسه لأسبابه الخاصة. فقد كان على أحدهم القيام بذلك، وعلى أحدهم أن يستيقظ أولاً، ويفتح المسجد، ويؤذن لصلاة الفجر، ودائما ما يفعل أحدُهم ذلك لأسبابه الخاصة. لكن عندما يمرض هذا الشخص أو يطاله التعب من المهمة، فهناك دائمًا شخصٌ آخر يتولّى المسؤولية. الرجلُ الذي سبقه كان يدعى شريف مدوغو، وقد أصِيب بحمّى شديدة في منطقة كاسكازي قبل عامين لدرجة أنه لا يزال طريحَ الفراش. كانت مفاجئة بعض الشيء أن حسنللي تطوّع من تلقاء نفسه لتولي الدعوة لصلاة الفجر، ولكن ليس أقل من كون الأمر مفاجئا لحسنللي نفسه. فهو لم يكن متحمسًا دائما لارتياد المسجد، فذلك يتطلب نوعا من الحماسة، وأن ينهض في كل فجر، ويتنمر على الناس ليصحوا من نومهم. فقد كان سلفه شريف مدوغو لجوجا هكذا، أي ذلك النوع من الرجال الذين يحبون الانغماس في الرضا عن الذات وأن يفعل ذلك بحماسة شديدة. بالإضافة إلى ما سبق، كان حسنللي كثير القلق بطبيعته، أو ربما جعلته التجربة هكذا، أي قلقًا وحذرًا. كانت هذه الأعمال شبه الليلية تثير أعصابه وتزعج لياليه، فهو يخشى الظلام والظلال والتعثّر في الأزقة المهجورة. لكن هذه أيضًا هي الأسباب التي دفعته إلى التطوع للمهمة، كخضوعٍ منه وكفّارة أيضا. بدأ في أداء هذا الواجب قبل عامين من ذلك الفجر الذي عثر فيه على الرجل، وحينما وصلت زوجته مليكة لأول مرة. كان دعاءً منه لأن يُوفّق في زواجه، وكان صلاة لكي ينتهي حزن أخته.

المسجدُ يبعد مسافة قصيرة عبر الباحة من متجره، ولكن عندما بدأ في أذان الفجر، شعر بأنه مضطر للقيام بما كان يفعله سلفه شريف مدوغو. فتسلل إلى تلك الممرات القريبة، صارخًا بشكل أو بآخر في نوافذ غرف النوم أثناء مروره أمامها، وهو يصيح بالنائمين. كان قد شقّ له طريقًا في الظلام تحاشيا للصدوع والحفر حيث يكمن أسوأ أنواع الأذى الغامض، لكنه مع ذلك، لا يزال عرضة لرؤية أطيافٍ وأشباح تتسارع نحو أحلك أجزاء الشوارع وأكثرها قتامة عندما يقترب، هاربة من الصلوات والأدعية التي يرددها وهو يحثّ المؤمنين النائمين على الاستيقاظ. كانت هذه الرؤى حقيقية تماما – حيث كان يلمحُ مخلب الوحش عند المنعطف، ويسمع الأرواح الساخطة تلهث بهدوء في مكان ما خلفه، ويرى صورا لمخلوقات تحت الأرض تضيءُ وتتلاشى فجأة قبل أن يمعن النظر فيها – لدرجةِ أنه غالبًا ما كان يؤدي مهامه هذه والعرَق ينساب منه بالرغم من برودة نسائم الفجر. ثم ذات فجرٍ، وأثناء جولة أخرى مقلقة ومليئة بالعرق، وعندما أحسّ بضغط الممرات المظلمة عليه مثلما تضغط جدرانُ نفقٍ ضيّق، شعر بدفقة من الهواء على ذراعه، بينما رأي بزاوية عينه الجناح المظلم لذلك الشبح الذي مرّ بجواره. بدأ يركض، ولكن بعد ذلك قرر إنهاء هذا العذاب، وتراجع إلى درجات المسجد ليطلق نداءه للصلاة من هناك، فلا يصل إلاّ لمسافة قصيرة عبر الفناء. وأضاف إلى ذلك كنس الدرجات للتعويض، بالرغم من أن الإمام أخبره أن الأذان من فوق الدرجات هو كل ما هو مطلوب منه، وأن شريف مدوغو كان متحمسًا زيادة في مهمته كمؤذن.

كان حسنللي يعبر الفناء في هذا الفجر عندما رأى عبر الأرض المفتوحة ظلًا يبدأ في التحرك نحوه. رمش وابتلع ريقه في رعب، فلا شيء غير متوقع. كان العالم يعج بالموتى، وهذا هو الوقت الصعب حيث يختبؤون ويظهرون. تحشرج صوته، وجفت كلماته المباركة، وشعر أن جسده يخذله. اقترب منه الظل ببطء، وفي ضوء الفجر الذي يقترب بسرعة، اعتقد حسنللي أنه يرى عينيه تلمعان بضوء بارد وقاس. تلك لحظة عاشها بالفعل في مخيلته، ويَعلمُ أنه بمجرد أن يدير ظهره سوف يلتهمه الغول. لو كان في المسجد لشعر بالأمان، فحرمُه مقدسٌ لا يدخله الشر، لكنه لا يزال بعيدًا عنه ولم يفتح الباب بعد. في النهاية، وقد تمكّن منه الذعر، أغمض عينيه، وثرثر ببعض الأدعية في مناشدات لطلب مغفرة الله، وسمح لركبتيه أن تنهارا تحت ثقل جسمه. لقد استسلم لما سيأتي.
عندما فتح عينيه مرة أخرى ببطء، حدّق للخارج كما لو كان يرفع ملاءة كان يختبئ تحتها هربا من كابوس ما، إنما ليرى هيئة الشخص مرمية على الأرض على بعد بضعة أقدام منه، ونصفه يستلقي على جانب بركبة مثنيّة. الآن في الضوء الذي أخذ يظهر يمكنه رؤية أنه لم يكن شبحًا أو ظلًا أو غولًا، بل كان رجلا له بشرةٌ شاحبة وعيناه الرماديان مفتوحتان في حالة إجهاد، وكان على بعد أقدام فقط من عينيه. سبحان الله من أنت؟ هل أنت إنسان أم روح؟ سأل حسنللي، ليكون في الجانب الآمن. تنهّد الرجل وتأوه مرة واحدة، وهكذا أعلن عن نفسه كإنسان دون أدنى شك.

هكذا كانت حالته عندما وصل منهكًا، تائهًا، جسده متهالك ووجهه وذراعاه مغطاة بالجروح والعضات. حسنللي، الجاثم الآن على ركبتيه في التراب، تحسّس أنفاس الرجل، وعندما شعر بالدفء على راحة يده، ابتسم لنفسه كما لو أنه تمكن من القيام بشيء ذكي ما. كانت عينا الرجل مفتوحتين، لكن عندما لوّح حسنللي بيده أمامهما، لم يرمشا. وكان يفضل لو أنهما فعلا ذلك. نهض بحذرٍ، متشككًا في هذه الدراما التي هو الآن جزءٌ منها، ثم وقف للحظة فوق تلك الهيئة وهو يئنّ عند قدميه قبل أن يسارع لطلب المساعدة. بحلول هذا الوقت حلّ وقت الفجر. كانت تلك هي اللحظة الدقيقة والأكثر أهمية ومنفعة لصلاة الفجر تمر بسرعة – وهي قصيرة جدًا – ولم يقم حسنللي بالواجبات المتوقعة منه. لقد خشي أن ينزعج المصلون المنتظمون عادة لصلاة الفجر، عندما يستيقظون لاحقًا ويكتشفون أن النعاس قد غلبهم. كان معظم هؤلاء المصلين من الرجال المسنين الذين هم بحاجة إلى الحفاظ على سجلّات أعمالهم سليمة ومحدّثة في حالة الاستدعاء المفاجئ للعالم الآخر. لكن كان عليه أن يتذكر أيضًا أنهم لم يعودوا ينامون جيدًا، ويخافون طوال الليل وينتظرون في لهفة أذان الفجر والصلاة لإطلاق سراحهم. لذا، حتى عندما انطلق حسنللي لطلب المساعدة، قلقًا من الفشل في أداء واجبه كمؤذن، كان البعض يخرجون من منازلهم لمعرفة سبب عدم سماع الأذان في ذلك الصباح. وربما كان البعض قلقًا على حسنللي، وخوفا أن يكون قد حدث له شيء خلال الليل. ثم كان هناك شهود على أول ظهور للرجل، فتجمعوا حول جسده وعينيه المفتوحتين على اتساعهما، وشاهدوا هيئته المنهارة على الأرض المكشوفة أمام المسجد.))

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى