كتَـــــاب الموقع

تنمر فرنسا 24 على 7000 إمراة ليبية

عبدالوهاب قرينقو


( ليبيا: ثكنة “بنات القذافي” تتحول إلى مجمع ترفيهي وسط طرابلس ) بهذا العنوان المسيء لأكثر من 7000 سيدة ليبية – وغير المهني – يفتتح موقع قناة فرنسا 24 تقريره عن تحويل الكلية العسكرية للبنات في العاصمة الليبية طرابلس إلى حديقة بأرضية ملونة وكراسي ومقاصف تطل على البحر .

الكلية العسكرية الليبية للبنات خرجت منذ تأسيسها قبيل منتصف الثمانينيات وإلى 2010 آلاف الضابطات برتبة ملازم ثان وتدرجن في الترقيات ووصلن إلى رتب عليا “عقيد وعميد” وعملن في مختلف الإدرات بالقوات المسلحة الليبية كما خرجت الكلية مئات الفتيات من ضابطات الصف من رتب عريف ورئيس عرفاء ولاحقاً قسم للشرطيات ثم أسست الدولة الليبية كلية ثانية خاصة بضابطات الشرطة المدنية .

المقر الذي تحول إلى حديقة جميلة بالفعل -وتليق بقلب العاصمة- هو كلية عسكرية نظامية، ككل الأكاديميات الحربية الليبية الأخرى وعددها “6” ، منها “5” في العاصمة طرابلس وواحدة في مدينة مصراتة.. وفي الاستعراضات العسكرية كانت كلية البنات دائماً ثاني الأرتال المستعرضة بعد الأكاديمية العسكرية للبنين بشقيها الكلية العسكرية وكلية الشعب المسلح، بحسب أقدمية أركانات الجيش الليبي “برية-دفاع جوي- بحرية”.

من هنا فتسمية القناة الفرنسية “الليبرالية!!” لأكاديمية حربية بأنها (ثكنة بنات القذافي)، أمر فيه الكثير من التجني والعسف الذي يصل إلى جنحة التنمر والقذف في حق ما يقارب من 7000 سيدة ليبية أو يزيد، اخترن المجال العسكري أو الشرطي للعمل في مؤسسات نظامية، هو توصيف في قمة الجهل أو التجاهل أو التطاول غير المبرر، فهل من تخرج من الذكور بعشرات الالاف من الكليات هم (أبناء القذافي) ؟!! ومعمر القذافي نفسه خريج الكلية العسكرية هل هو من (أبناء الملك إدريس) ؟!.. أي جهل هذا ؟ .. فإذا كان حاكم ليبيا السابق العقيد القذافي قد اختار في مناسبات عدة حارسات في طاقم حراسه

فالطبيعي أن الحارسات من خريجات كلية عسكرية أو كلية شرطة وليس من كلية إعلام مثلاً أو كلية فنون جميلة !! .. ولا أتوقع أن عدد الحارسات تجاوز العشرين من بين آلاف الضباطات والمجندات .

من وصفتهن فرنسا 24 جوراً وتنمراً سطحياً ساذجاً بـ (بنات القذافي) لاتزال أكثرهن في الخدمة في مؤسسات الجيش الوطني في مناطق سيطرة القوات المسلحة في وسط البلاد وجنوبها الغربي وشرقها وفي المقابل مع بعض مؤسسات الجيش والشرطة في مناطق سيطرة الجيش الليبي والتشكيلات المسلحة في طرابلس وما حولها غرب البلاد.

في الكثير من دول العالم خاصة الليبرالية والتي منها فرنسا صاحبة القناة تخوض المرأة المجال العسكري أما في العالم العربي فكانت سابقة ظهرت في ليبيا ودولة أو اثنتين في المشرق العربي ، سوريا ولاحقاً الأردن وفي عموم المنطقة “إسرائيل” وربما تركيا أيضاً لكن فرنسا 24 لا تتقصى رغم إدعائها ذلك في بروموهاتها الدعائية لخطها الليبرالي المنتصر للمرأة والمناهض لظالميها ومهمشيها .. ولكن فرنسا 24 تصور كل شيء في ليبيا إما سخافة من زمن العقيد أو حماقة في فبراير مع أنها تغطي عين الشمس بالغربال في كل ما يتعلق بالحقبة الليبية بين 2011 و 2021 م ومن ذلك إدعائها أن تحويل كلية عسكرية للبنات إلى حديقة هو (ضمن إلغاء المظاهر المسلحة من وسط العاصمة وإحلال السلام بدل الدمار)، بينما الحقيقة هي أن المتنفذين في عاصمتنا لم يقدروا إلا على “الحائط القصير” : كلية للبنات .. جعل النظام مقرها على طرف وسط المدينة بحكم التقاليد والخوف على المرأة ربما .. مع أن المجتمع الليبي في معظمه كان يحارب دخول المرأة للمجال العسكري ويعتبره مخالفاً للأخلاق مثلما كان ينظر للتمريض والطب في الستينيات والسبعينيات بأنه مهنة معيبة للمرأة، كما نظر نفس المجتمع شديد المحافظة لدخول المرأة للجامعة ثم استساغ ذلك ثم عارض بشدة إقامة البنات في الأقسام الداخلية في مدن بعيدة ثم استساغ الفكرة ثم وافق عليها .. على أن دخول المرأة لمجال الجيش في ليبيا ثم الشرطة ظل على مدار ثلاثين عاماً صعب التقبل من المجتمع “شديد المحافظة” بالنظر ليس لفترة الدراسة بل لما بعدها حيث العمل في معسكرات أو مقار عسكرية يتسيد عليها الرجال ويحتكرونها دون النساء.

أنا هنا لا أبرر لنظام سابق ولا أتحامل على نظام لاحق أو أدافع عن أحد، فمناصرتنا لثورة فبراير لا يعني أن نشيطن ما سبق فبراير من شخوص أو كيانات ولكن أن تقع قناة تدعي الحرفية والموضوعية والمهنية العالية مثل قناة فرنسا 24 في هذا الفخ من الإسفاف فالأمر جد معيب ومستغرب ومن حقنا أن نستغرب .. والألعن والأقرب لما حدث هو أن هذه القناة أخذت ما افترت به على النساء العسكريات الليبيات من مصدر ليبي يتحامل على كل ما هو ليس فبرايري أو منتمي لإيديولوجيا الإسلام السياسي المقصي للمرأة أكانت عسكرية أو مدنية .. ضابطة أو حتى وزيرة للخارجية !!.. فيما تجهل هذه القناة وعدة قنوات أوروبية ناطقة بالعربي وستظل تجهل أن من ناصر فبراير ليسوا واحداً فمنهم الليبرالي والتقدمي والمتحضر مثلما منهم “الاخونجي بل والقاعدي” أو من دار في فلك هذين الكيانين الفاشيين، أعداء عمل المرأة.. وهم من لا تزال لديهم وتظل فوبيا الجيش والشرطة ولا يخفى على أحد النفوذ والاختراق الإسلاموي للعديد من التلفزيونات الأوروبية والأميركية.

في مطلع التقرير المسيء لضابطات ومجندات الجيش الليبي، تصف فرنسا 24 المكان بمقر للكلية العسكرية للبنات وتضع التسمية بين ظفرين ربما للتشكيك أو عدم الاعتراف حيث توصف الكلية بعبارة : (التي كانت تابعة لنظام العقيد معمر القذافي في طرابلس) .. السؤال هنا هل بقية الأكاديميات الحربية وعددها “6” كليات ليست تابعة للنظام ؟ ماذا عن حقول وموانىء النفط وشركات الكهرباء والمياه والمطارات والجامعات والمستشفيات… إلخ هل تتبع نظام آخر ؟!! .. لن أتحدث عن تصريحات عميد بلدية طرابلس في نفس هذا التقرير وفرحته بالمنتزه التي أنسته أن يكون منصفاً ولا يَفجُر في الخصومة وعلى مسمع من أذنيه ومرأى من عينيه مئات التشكيلات المسلحة غير النظامية من كتائب “الثوار” والكتائب المؤدلجة، التي لا تزال تتخذ من مقار حكومية أوكاراً لمواصلة سيطرتها على عاصمة البلاد.. ولا مجال يتسع للكثير من التصريحات والتهويلات في وسائط أخرى غير فرنسا 24 والكل تناسى أننا جميعاً نعجب ونحتفي بمنتزه جميل في عاصمة البلاد ولكن لا نتخذ منه ورقة لتزوير التاريخ ونحن على قيد الحياة أو التنمر على فتيات ليبيا اخترن مجالاً عسكرياً أو شرطياً للدراسة ثم العمل، فقد عاصرنا تلك الحقبة بخيرها وشرها ..

ختاماً : احتفوا كما شئتم ولكن احترموا نساء البلاد أيها المؤسسون الجدد للدولة المدنية الليبرالية بمقاييس “قروأوسطية”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى