مقالات مختارة

أيّها المتصارعون في طرابلس، انظروا إلى سبها!

سالم الهمالي

بكاء بلا دموع، ونزف بلا دم، وألم بلا جرح، عايشته وأنا أتجوّل فيما كانت تسمى مدينة سبها، بعد أن تحوّلت إلى خراب ودمار، نتيجةَ الاقتتالِ بين الأخوة والأنساب والأحلاف، بعد أن تفرّقت بهم السبل.

مدينة قُتلت فيها معالمُ المدنيّة والحضارة، بعد أن أزهقت الأرواح، وسفكت الدماء، ودمّر العمران، فاليوم لا يوجد فيها فندق واحد يَستقبل الزائرين، ولا حتى غرفة واحدة، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
أربع سنوات مضت بعد أن أغلق مطارها، وما تبعه من تدمير ونهب مرافقه، ولم يتحرّك ساكن، ولا ذرة من شعور المتحاربين، ليدركوا أنّهم دمّروا بيوتهم على رؤوس أهلهم؟!. بوابة المستشفى أو ما بقي منه، تشبه ثكنة عسكرية، تتصدّرها المتاريس الترابية، بغرف محطّمة، ونوافذ مهشّمة، ولا وجود لأي أثر للبشر.
المنطقة الصناعية (مصنع المكرونة، والمشروب، والمطاحن، والأعلاف، والورش… وغيرها الكثير)، أصبحت خرابة، أسوار مهدّمة، ومبانٍ مدمّرة بشكل عدواني، وكأنّها تحسّ لتستحق منهم الانتقام.

مررت أمام مبنى (المحافظة) الأثري، أطلالٌ وأشجار يابسة في أفضل حديقة كانت بالمدينة، تزدان بالورود والنوافير. لا تسألوا عن الطرق، فلم يبقَ منها إلا الحفر والخنادق، وكثبان التراب التي تسدّها أمام المارة. سوق الخضرة في منطقة القرضة وجدته أثراً بعد عين، وشوارعها التجارية أقرب إلى (فايا) منها إلى ليبيا في الستينيات.

فندق القلعة تحوّل إلى ثكنة لا أدري ماذا تحرس؟! لا أرى شيئاً يستحق الحراسة؟!. وجوه الناس يعلوها البؤس والقنوط، فلم يعد الجوع والعطش والظلام ما يشغلهم، بل عرق الحياة ونبضها، الذي تهدده (الفيرنات) المظلمة في وضح النهار، وفي أوسع الشوارع أمام الناس بلا خجل أو وجل.

لا تستطيع الكلمات أن تصف بصدق ما شهدته، ولا أظنني بالغت، فالواقع أسوأ بكثير ممّا كتبت.

أيّها الليبيين …

لا تذهبوا إلى العراق أو سوريا أو اليمن أو الصومال، فمن يريد أن يعرف إلى أي نهاية تسير هذه الطريق التي تسلكونها في ليبيا، فما عليكم إلا النظر الى سبها، وترحّموا على ما كانت مدينة عامرة، تمثل عاصمة لجنوب ليبيا، فيها المعاهد والمدارس والمسارح والمصانع والجامعات، واليوم خراب ودمار.

يا حسرتاه … يا حسرتاه .. وَيَا ويلاتاه من المصير الذي ينتظر مئات الآلاف من الليبيين، اذا لم يسترجعوا عقولهم؟!

 

المصدر: صفحة الكاتب على موقع فيسبوك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى