اهم الاخباركتَـــــاب الموقع

أردوغان: طريق القدس تمر من طرابلس

رفعت محمد

لطالما شكلت طريق القدس معضلة لعلماء الجغرافيا، سببتها التصريحات المختلفة لزعماء حملوا راية تحريرها ليمارسوا تحتها ما شاءوا من أفعال أبعد ما تكون عن ادعاءاتهم، زعيم حزب الله اللبناني حسن نصرالله قال إن طريق القدس تمر بالقلمون والزبداني وحمص وحلب ودرعا، وكلها مدن سورية وليست فلسطينية احتلتها إسرائيل، أرسل إليها مرتزقته لقتل شعبها وتهجيره تحت ذريعة الدفاع عن النظام السوري.

قبل عقود وتحديدا عام 1976 والحرب الأهلية اللبنانية في بدايتها أعلن المسؤول في منظمة التحرير الفلسطينية أبو إياد أن طريق القدس تمر من جونية، تبريرا للانخراط الفلسطيني في تلك الحرب . وبعده بسنوات قليلة رفع الخميني عقب ثورته عام 1979 شعار “الطريق إلى القدس يمر عبر كربلاء” تمهيدا لحرب استمرت ثماني سنوات بين العراق وإيران. وعام 1990 قال الرئيس العراقي صدام حسين إن طريق القدس تمر من الكويت، تبريرا لاجتياحه الذي غيّر تاريخ المنطقة. العدوى اجتاحت التنظيمات المتطرفة أيضا، إذ أعلن زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري عام 2012 أن الطريق إلى القدس تمر عبر مصر والشام. وبعده بسنتين وعقب سيطرة الحوثيين على العاصمة اليمنية صنعاء قال مستشار خامنئي علي أكبر ولايتي إن الطريق إلى القدس تمر عبر اليمن.

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حمل راية القدس أيضا، وأطلق العديد من التصريحات النارية التي خيّل لمن سمعها أن القوات التركية ستتحرك اليوم قبل الغد لتحرير المدينة المقدسة، ليتبين لاحقا أن طريق القدس تمر من مدينة عفرين التي أطلق مليشيات من المعارضة السورية دعمها تحت مسميات مختلفة آخرها الجيش الوطني السوري، وأظهر قادتها ولاء مطلقا للسلطان العثماني على حساب قضيتهم التي خرجوا للدفاع عنها، ليستولوا عليها ويعيثوا فيها قتلا وتدميرا.

مليشيات أثبتت لاحقا أن مهمتها الرئيسة تنفيذ المهام الموكلة إليهم من أنقرة أكثر من القضايا المحورية التي تشكّلت لتحقيقها كالمحافظة على آخر معاقل المعارضة في محافظة إدلب، بل ذهب بعض قادتها مثل “أبو عمشة” قائد ما سمي لواء “سليمان شاه” في دفاعه عن سيده أردوغان إلى حد وصف الأصوات التي خرجت في إدلب تنتقد الصمت التركي عما يحدث في محافظتهم من مجازر، بنباح الكلاب.

أبو عمشة سبق وأطلق على مقاتليه “أشبال أرطغرل”، وهو للعلم والد السلطان عثمان مؤسس الإمبراطورية العثمانية وابن سليمان شاه، فالتسميات لم تأتِ اعتباطاً، كما يطلق أولئك الأشبال على قائدهم لقب “المعلم”، وهو لقب راسخ في الذاكرة السورية تستخدمه عناصر المخابرات في الإشارة إلى قادتهم.

وذهب أردوغان بعيدا في حلمه باستعادة الإمبراطورية العثمانية حين أعلن صراحة أن العاصمة الليبية طرابلس إرث عثماني، تبريرا للاتفاقية التي وقعها مع حكومة الوفاق للدفاع عنها، وممن؟! من الجيش الوطني الليبي الذي قدم عديد التضحيات في تحرير المدن الليبية من إرهاب داعش في بنغازي وسرت ودرنة. ولتحقيق حلمه بدأ فعليا بإرسال مرتزقته ممن دربهم وجهزهم لتحقيق هكذا أهداف استعمارية، فأرسل مقاتلين سوريين من مليشيات تسمت بأسماء عثمانية خالصة مثل “السلطان شاه” و”السلطان مراد” تأكيدا على ولائها المطلق للسلطان وطربوشه.

وقائع أصابت السوريين قبل غيرهم بخيبة أمل جديدة بأن من وُجِد للدفاع عن ثورتهم، ليسوا إلا مرتزقة، يذهبون للقتال حيث يُدفع لهم أكثر، بعيدا عن الهدف الذي دفع الشعب السوري الكثير من التضحيات لتحقيقه، وقدم مئات الآلاف وتشرد منه الملايين، تاركين إدلب التي باتت رمزا للثورة السورية تحت قصف الطائرات الروسية مخلفة مئات القتلى وراءها.

لا مبرر بالمطلق لأي ذريعة قد يسوقها من ذهب للقتال في ليبيا من السوريين فثورتهم أولى بالدفاع عنها بدلا من الارتهان لرغبة السلطان العثماني بالاعتداء على بلد تبعد مئات الكيلومترات عن تركيا بزعم أنها إرث للسلطنة، ولن نتفاجأ إذا ما سمعنا أردوغان يدعي أن طريق القدس تمر من طرابلس، فهو يستخدم البوصلة المعطوبة ذاتها التي وقف علماء الجغرافيا عاجزين أمام مؤشرها الذي تحركه رغبات وأطماع القادة فيوجهونه حيث تلوح لهم مصلحة ولو كانت على حساب قتل الأبرياء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى