اخترنا لككتَـــــاب الموقع

ياخذوا سوّ “خوسيه”

فرج عبدالسلام

كيف يمكن للمرءِ الحديث بموضوعية وتجرّد عن أمثال “خوسيه موخيكا” دون أن ينزلق إلى فخ التطبيل والتمجيد، بإضفاء صفات عليهم، تتعدى إمكانات البشر، وتليق بالأنبياء؟

ربما يقترنُ في أذهان الكثيرين منّا، ذِكرُ الأوروغواي بكرة القدم التي فازت بها تلك الدولة في أوّل بطولةٍ لكأس للعالم، أو بأنها قدّمت للعالم لاعبين مبدعين من أمثال “سواريز” و”كافاني” وكثيرين غيرهم. وأيضا، ربما أنّ البعض سمعوا بذلك الرئيس الأورغواياني العجوز الذي يركب سيارته “الفولكسواغن” العتيقة في كل تنقلاته، رافضا كل ما تجودُ به السلطةُ من نعيم القصر وإغراءاته.

لكن لإضفاء معنىً على الحكاية، ينبغي أن نبدأها من آخرها، فقد شاهدتُ بالأمس فيلما سينمائيا حديثا، حول حقبة الدكتاتورية العسكرية البشعة في الأوروغواي في فترة الستينيات والسبعينيات، وما جلبته من مآسٍ لا حدّ لها على البلد وأهله، كما هو الحال في كل بلدان أميركا اللاتينية. عنوانُ الفيلم هو “ليلٌ استطال 12 عاما” وإن عرَضَه موقع نيتفلكس الشهير، بعنوان “حكايات الزنزانة” ، واختار هذا الفيلمُ “الباهر” من بين ألوفِ قصص المعاناة خلال عهد العسكر، أن يروي حكاية ثلاثة أشخاصٍ حقيقيين، وما تعرضوا له في جحيم الأسر الانفرادي… شدّني الفيلم بقوّة لتعرضه إلى موضوعٍ صار جزءًا من حياتنا بعد انقلاب سبتمبر 69 ، وعانينا منه نحن الليبيّين كثيرا. فسجونُ نظام سبتمبر غير بعيدة عن ذاكرتنا، وأغلب ضحاياها أحياءٌ يرزقون. ترافق الأمرُ أيضا بانتهائي أخيرا من قراءة رواية أيمن العتوم “طريق جهنم”، التي تسرد مآسي سجون القذافي، من خلال قصة السجين “علي العكرمي” وطالعتُ منذ زمن ليس ببعيد، رواية الضابط الليبي المناضل”عبد الونيس محمود” حول تجربتة القاسية الطويلة في الحبس الانفرادي، وقبلها رواية القوقعة للكاتب السوري مصطفى خليفة، التي ربما كانت الأكثر بشاعة وإيلاما في كشفها ما يجري في السجون السورية، وتجعل المرء يشكّك فعلا في انتمائه إلى الجنس البشري.

وأيضا لديّ مخزونٌ هائل من القصص التي سمعتها من أصدقائي السجناء السياسيين السابقين. وهكذا كانت وقائعُ هذا الفيلم التي هزتني بتفاصيلها الدقيقة، والمريرة، فأظهرت بوضوح ما قد يصل إليه بنو البشر من ظلم، وعسف، وجور ضد مواطنيهم. والاستنتاجُ الأهمّ عندي هو تطابقُ أساليب الظلم والتعذيب الوحشي في هذه الأماكن المتباعدة، والمختلفة الثقافات. لكن ما يربط بينها حقا هو وجود أنظمة حكم عسكرية شمولية، يحقُّ من خلالها القول، إنّ العسكر (وقد كنتُ واحدا منهم) إذا ما أتيح لهم الحكمُ والتدخل في السياسة، أفسدوا البلد، وجعلوا أعزة أهلهِ أذلّة…

وبالعودة إلى صاحبنا الأرغواياني “خوسيه” أحد أبطال الفيلم، والذي خرج بعد اثني عشر عاما من الحبس الانفرادي، فقد كان أسلوب حياته، وبالأخص بعدما نُصّب رئيسا للبلاد، مدعاة لأن يطلق عليه البعض لقب النبيّ، ووُصف أيضا بالرئيس الأفقر في العالم، والأكثر تواضعا. فالرجلُ على الرغم من فقره المعروف، تبرّع بـ 10.800 دولار من راتبه الشهري الذي يساوي 12.000 دولارا للجمعيات الخيرية، وكان فخامة الرئيس يقتني سيارة فولكسواغن “فكرونة” قديمة، ويقيم في مزرعة بسيطة في منزل زوجته لوسيا بالقرب من العاصمة. ولأن الطيور على أشكالها تقعُ، فالزوجة لوسيا وهي عضوة في مجلس الشيوخ، تتبرعُ هي الأخرى بجزء كبير من راتبها بهدف تحفيز مشاريع الشباب والمشاركة في الأعمال الخيرية، وأيضا لا ينتفعُ خوسيه بالحراسة المشددة كبقية رؤساء العالم. لكن الأنكى من كل ذلك، أنّ صاحب الفخامة خوسيه موخيكا، عرض في شتاء عام 2014 فتح أبواب قصره الرئاسي للأشخاص المشردين، في حال عجز مراكز إيواء المشردين في العاصمة عن استقبالهم.

ستكونُ أيّ مقارنة بين خوسيه، ومن نسميهم بالمسؤولين عندنا مجحفةً للطرفين. فبالنسبة للأوّل ستكون مهينةً لآدميته، وتاريخه النضالي، وإنجازاته الوطنية، والمثل الذي ضربه لبني وطنه وغيرهم. أمّا سياسيّونا، وقادتنا، فأوّل ما يفكرون به عند توليهم المناصب، هو كيفية الاستفادة المادية والمعنوية القصوى من الفرصة التي قد لا تتكرر، حتى لو أدى ذلك إلى تخريب اقتصاد الدولة ومقدراتها، وضرب مثلٍ سيئ للرعية. وكلنا نعرفُ مهزلة الرواتب الفلكية التي خصّوا بها أنفسهم في المؤتمر، والنواب، ومجلس الدولة، وغيرها من المؤسسات الكثيرة التي لم تفلح في إخراج ليبيا من مستنقع التشظي والخراب. وفي مقابل تركِ خوسيه للعيش في القصر الرئاسي، والإقامة في بيت زوجته المتواضع، تركَ أحد سياسيينا الكبار مبنى المؤسسة التي يحكمها، وجعل من بيته في بلدته النائية المتواضعة محجّا للمسؤولين والضيوف الأجانب الذين يُجبرهم “الوقت العطيب” على مقابلته.

بقي أن نذكّر أنّه عند انتهاء ولاية خوسيه، ومغادرته المنصب في 2015 ترك وراءه اقتصادا معافىً نسبيا، واستقرارا اجتماعيا، لا يستطيع جيرانُه من الدول الأكبر شأنا إلاّ أن يحلموا به. وكان يقول: أجمل شيء في اليوم أنه يبدأ بفجر، وبالتالي مهما اشتد الليل فلا بد أن يعقبه الفجر. أمّا أنا فأقول لساستنا بالفم المليان “تاخذوا سوّ خوسيه..”

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى