مقالات مختارة

هل نصل إلى حرب عالمية؟

عبدالمنعم سعيد

بعد تردد طال، قام الرئيس الأميركي ويلسون بإدخال الولايات المتحدة إلى ما صار معروفًا بعد ذلك بالحرب العالمية الأولى في عام 1917. كان للرجل ما كان معروفًا بالمبادئ الأربعة عشرة التي وضعت أساس نظام عالمي جديد يقوم على حق تقرير المصير والقانون الدولي ومنظمة عالمية تدير أمور الأمن والسلم في العالم، عرفت فيما بعد باسم «عصبة الأمم». المدهش للعالم أنه بعد أن وضعت أميركا أول صيغ «النظام العالمي الجديد»، فإنها سرعان ما أعلنت عن تخليها عن النظام كله عندما رفض الكونغرس الأميركي الدخول إلى المنظمة الدولية الوليدة، حتى بعد أن صارت دولة عظمى بحجم اقتصادها وقوتها العسكرية وانتصارها في الحرب. وكان الدافع الأميركي لهذا الموقف ناجمًا عن انتصار أنصار «العزلة» الدولية التي ترى أن أميركا سوف تكون أكثر أمنًا وهي قابعة بين محيطين – الأطلنطي والباسيفيكي – ولديها من القوة الاقتصادية والمنعة العلمية والتكنولوجية ما يجعلها قبلة العالم. وعلى الرغم من أن عشرات الأسباب أوردها المؤرخون حول نشوب الحرب العالمية الثانية بعد عقدين فقط من الأولى، فإن هناك توافقًا بينهم على أن بين أكثر هذه الأسباب أهمية كان غياب الولايات المتحدة وراء ستار العزلة. وكان هذا الدرس هو ما تعلمته النخبة الاستراتيجية الأميركية بعد الانتصار في الحرب العالمية الثانية على ألمانيا وإيطاليا في أوروبا واليابان في آسيا. دخلت أميركا دون تردد إلى الساحة العالمية بكل قوتها وعنفوانها هادفة أحيانًا لإدارة العالم وفق رؤية عالمية خاصة بها، وأحيانًا أخرى منع نشوب حرب عالمية أخرى من خلال استراتيجية للردع مع القوة العظمى الأخرى: الاتحاد السوفياتي والكتلة الاشتراكية. وحينما انتهت الحرب الباردة مع سقوط حائط برلين عام 1989، وانهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991، فإن جميع قادة الولايات المتحدة ظلوا على ولائهم لفكرة إدارة العالم، سواء كان ذلك لأن التاريخ وصل إلى نهايته بسيادة القيم الأميركية، أو لأن العالم لا يزال مشغولاً بصراع للحضارات. الآن فإن الرئيس الأميركي الجديد، دونالد ترمب، يرفع من جديد حزمة من السياسات الداعية من ناحية إلى العزلة عن العالم، وفك الارتباط مع ما يعتبره مشكلات الدنيا المعقدة، والتي لا يوجد لدى الولايات المتحدة مصلحة في التعامل معها. الخطوة الأولى التي دعا لها ترمب تقترب مما جرى بعد الحرب العالمية الأولى، فقد أعلن أنه سوف يخفض من الدور الأميركي في الأمم المتحدة ومنظماتها وأنشطتها الدولية. هو، حتى الآن، لم يقل إنه سوف ينسحب من المنظمة الدولية، كما فعل أسلافه برفض الانضمام إلى «عصبة الأمم»، ولكن الإشارات والتوجهات كلها تشير إلى انسحاب أميركي، ربما منظم، من المؤسسات الدولية. وحتى في داخل التحالف الغربي فإن ترمب لا يأبه كثيرًا بحلف الأطلنطي على سبيل المثال، كما أن وجهة نظره سلبية للغاية فيما يتعلق بالاتحاد الأوروبي، ويتبنى في الحقيقة وجهات النظر الشائعة في بريطانيا وقادت إلى «البريكست»، بل إنه احتفى بالخروج البريطاني من المنظمة الأوروبية. وتمضي مواقف ترمب السلبية من المنظمات الدولية إلى النقد الشديد لمنظمة التجارة العالمية، ومعها كل المنظمات والمؤسسات العابرة للدول والقارات، فكان الإعلان عن النية في الخروج من جماعة «الشراكة عبر المحيط الباسيفيكي TPP» من أوائل القرارات التي اتخذها. وإذا ما أضيفت إلى ذلك نيته لفتح ملفات منطقة التجارة الحرة لشمال أميركا (نافتا)، فإن مسار ترمب الواضح هو العزلة عن العالم ليس فقط الخروج من المؤسسات الدولية، أو التقليل إلى الحد الأدنى من النشاط فيها، وإنما السعي إلى هدمها مع اتباع سياسة حمائية قائمة على رسوم وجمارك تدفع دول العالم الأخرى إلى اتباع سياسات مماثلة. وللتذكرة، فإن أحد أسباب نشوب الحرب العالمية الثانية كان وجود حرب عالمية تجارية سابقة عليها أدت إلى الكساد الكبير في الثلاثينات من القرن الماضي، ودفعت دفعًا التنافس الدولي إلى حرب ضروس. ترمب في الواقع لا يكتفي بالعزلة، وفك الارتباط مع المؤسسات الدولية، وإنما فوق ذلك يقيم سورًا على الحدود الجنوبية للولايات المتحدة مع المكسيك، وكان ذلك هو الآخر ضمن حزمة قراراته الأولى في البيت الأبيض. وأكثر من ذلك فإن قيام ترمب بتجاهل موضوع الاحتباس الحراري، وإصدار القرارات الخاصة بمنح التصاريح لخطوط أنابيب «كيستون» التي تنقل النفط من ولاية داكوتا الشمالية إلى خليج المكسيك، يشير إلى نية مبيتة بتحقيق الاكتفاء الذاتي للولايات المتحدة في مجال الطاقة. مثل ذلك هو الاستكمال الطبيعي لسياسة العزلة الأميركية التي تلفظ وجود نظام اقتصادي عالمي يقوم على التبادل إلى نوع من «القومية» الاقتصادية التي تنغلق فيها الدول على نفسها، وكانت لها نتائج فادحة في الماضي عندما نشبت الحرب العالمية الثانية من جرائها. التفكير القائم على العزلة ليس جديدًا في الفكر الأميركي، فقد نبت في التربة الأميركية مع مطلع القرن التاسع عشر، وتكرر بقوة بعد الحرب العالمية الأولى. الآن فإن العالم قد تغير بشدة وفي اتجاه ترابط لم تعرفه البشرية من قبل، ومن ثم فإن توجهات ترمب التي لم يتوانَ عن وضعها موضع التطبيق منذرة بشكل كبير سواء بالنسبة لدول العالم الكبرى أو تلك الصغرى، أو الدول الغنية أو تلك الفقيرة. وبغض النظر عن التفاصيل الكثيرة لسياسات ترمب، فإن هناك أمرين لا بد من أخذهما في الاعتبار: أولهما أن ترمب المرشح هو ترمب الرئيس، ولا فارق بينهما، بل إن الثاني ربما سوف يكون أكثر شراسة من سابقه. وثانيهما أن الولايات المتحدة من الحجم والأهمية بحيث إن سياساتها المناوئة للعولمة سوف تضع العالم كله أمام اختبار قاسٍ، واختيار حرج ما بين المضي قدمًا في اتجاه حرية التجارة العالمية ومعها انتقال رؤوس الأموال والبضائع والخدمات، وهذا سوف يكون له ثمن من دون الولايات المتحدة؛ والدخول في حروب اقتصادية لا تلبث أن تنقلب إلى حروب عسكرية لا يتحملها العالم ولا البشرية. حتى الآن فإن هناك صيحة داخل أوروبا للاستمرار في الاتحاد الأوروبي والتوجهات الاندماجية والتكاملية العالمية من دون بريطانيا وحتى الولايات المتحدة وهو ما تنظر إليه اليابان في شرق آسيا. ولكن على الجانب الآخر فإن المضي قدمًا من دون الولايات المتحدة لا يبدو خيارًا عمليًا لأنها هي ذاتها التي كانت تقود دول العالم، وتمول المنظمات الدولية، وتردع أعداء النظام الدولي سواء كان الاتحاد السوفياتي في زمن الشيوعية، أو الراديكالية الدينية في زمن «داعش». العالم العربي عليه أن ينظر مليًا في الأمر، وعلى الأرجح فإنه لن يجد سبيلاً لمواجهة واقع خطير ينمو أمام أعيننا، وسوف يمس دول العالم كلها بأشكال مختلفة، ولكنه كما نعلم من التاريخ أن منطقتنا عادة ما تكون أولى الضحايا. لا يوجد سبيل آخر إلا من خلال العالم العربي نفسه الذي عليه أن يفكر الآن كما لم يفكر من قبل في كيفية التعامل مع ظروف صعبة مقبلة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صحيفة “الشرق الأوسط” اللندنية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق