مقالات مختارة

نزهة ولهان في (عروس البحر) 

نزهة الولهان في طرابلس (عروس البحر) وأحوال أهلها بين الجوعان والغضبان

سالم الهمالي

 

(1)

توالت الاتصالات من الأصدقاء والمعارف، تنبئ بأنّ الأوضاع الأمنيّة في طرابلس لا تبشّر بخير، ناصحين بتغيير برنامج زيارتي إليها. آنذاك، كانوا يعرضون مؤشّرات وهواجس، لم تظهر معالمها على أرض الواقع.

من يعيش في ليبيا يدرك أنّ المسافة بين ما تسمعه وتقرؤه، وما يجري حقيقةً، لا تقلّ عن سنوات ضوئية، فالخيال والفبركة والتجديف أصبح ديدن الكثيرين، لذلك أصررت أن أقف على واقع الحال، شاهدا بعيني، وسامعا من المواطنين، وأهل الرأي، لأكون صورة تعكس الواقع، كما رأيت، وسمعتُ من أهله.
بدأت رحلتي من تمنهنت، سلكت فيها طريقاً بريّة تمرُّ بمدينة براك وبلدة قيرة، الشويرف، القريات، مزدة، غريان. عرّجت ناحية اليسار، نحو الأصابعة، الرياينة، القلعة، العوينية، أم الجرسان، ككلة، زاوية الباقول، يفرن، إلى أن وصلت إلى مدينة الزنتان ضيفا عليها، في بيت الأستاذ والمصرفي الفاضل عبدالله جويلي (رعاه الله) وأبنائه الكرام. قضيت يوما وليلة، تجولّت في المدينة وتعرّفت أكثر على تاريخها، وسأكتب عن ذلك في إدراج خاص.

في الزنتان، وصلتنا معلوماتٌ أكثر دقّة، أكّدت ما يدور في مدينة ترهونة، وما قد يحصل في الأيام التالية. هنا بات جليّا عندي الفارق بين ما تعرضه القنوات الإعلامية البصرية والسمعية ووسائل التواصل (التنافر) الاجتماعي، وما يحدث على أرض الواقع.

في بلدة (الكليبة) بغريان يؤكّد القادمون من طرابلس سلامة الطريق 100٪‏ فيما تعرض القنوات والفيس، أنّ ( طرابلس خشّت بعضها)!!
مررنا ببوابة الهيرة، ومنها إلى العزيزية والصابرية ثم السواني، حركة مرور مزدحمة وعادية جدا جدا، دونَ وجودٍ لأيّ مظاهر مسلحة، عدا بعض العربات على جانبي الطريق عند البوابات، أو أماكن الإيقافات.

ملامحُ المسلحين الذين رأيتهم تنبئ بأنّهم من الطوراق أو المحاميد، والآخرين من الزنتان وورشفانه. لم يسألنا أحد من أين أتيتم؟ ولا إلى أين تقصدون؟.

خلال الرحلة، لازمتنا منظومة اجتماعية أوّلها في تمنهنت، وآخرها في طرابلس، تتابع كلّ خطوة، تسليم واستلام: آه وين وصلتوا؟!
بالطبع، ذلك أتى انعكاسا للوضع الأمني في عموم البلاد، واستجابة لارتفاع درجة التوتر في طرابلس وما حولها، منذ بداية الأسبوع.
اتجهنا الى منطقة الفلاح، تجنّبَاً لطريق المطار، حيث أُبْلِغْنَا أنّ الطريق قد لا تكون آمنة، ومنه إلى الطريق السريع، حركة السيارات طبيعية، ولا أثر فيها لاشتباكات أو اضطراب أمني. لم أشاهد حتى سيارة واحدة مسلّحة في الطريق، بل لم أرَ أحدا يحمل سلاح. وصلنا إلى مقصدنا في شرق مدينة طرابلس بسلامة الله، وكان الظلام في استقبالنا.

على ضوء شمعة خافت، أجبت على كل الاتصالات من جنوب البلاد، وشرقها، وغربها، ومن خارجها، التي تحاولُ الاطمئنانَ عن الأوضاع في طرابلس، ووجدتُ الفارقَ الكبير بين الحقيقة التي أراها وأعيشها، وما اقتنعَ بهِ من سمعوا ما يقولُه الفيس وقنوات الاعلام. أدركتُ حقيقةً أخرى، بأنّهم أكثر استعدادا لقبول الأخبار الكاذبة منهم إلى الإنصات إلى الحقيقة.

زيارتي إلى طرابلس لا تهدف إلى تجاهل أو الإنقاص مما يعانيه الناس ولا تضخيمه، بل رصد صادق وحقيقي لمن يريد أن يجسّ نبض المدينة، وأحوال أهلها. لذلك بدأت في الصباح بميدان الشهداء (الساحة الخضراء)، بعد أن ركنّا السيارة في شارع 24 ديسمبر (أول سبتمبر).

يتبع (٢)

المصدر: صفحة الكاتب على موقع فيسبوك

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق