حياة

“مكسيم غوركي” الذكي الذي خدعه “ستالين”

صبي لم يتجاوز الـ8 يدعى مكسيم اضطر للعمل كغاسل أطباق على سفينة، ومساعد حرفي، وعامل في مصنع بمقابل زهيد، لكن هذا لم يمنعه من تعلم القراءة والكتابة
مات أبوه بسبب الكوليرا وتزوجت أمه رجلا يكرهه، وتكفل جده بتربيته لكنه كان صارما ويملك مصبغة تدر القليل من المال، لكن ما كان يخفف عنه هذه الآلام حكايات جدته الشعبية، التي ساهمت فيما بعد بتكوين شخصية مكسيم غوركي، واحد من أهم الكتاب الروس على الإطلاق
ولد مكسيم غوركي وهو الاسم المستعار لألكسي مكسيمو فيتشي بيتشكوف العام 1868 في بلدة نبجين – توفخورود الصغيرة التي ستحمل لاحقاً، بفضله، اسم غوركي
يعتبره العديد من القراء مؤسس الطريقة الأدبية الواقعية الاشتراكية، وكان قد ترشح لجائزة نوبل للأداب خمس مرات

بدايات الحسرة والمرارة

 

عند بلوغه سن الـ21 كان مكسيم متشردا في الشوارع، وكان يفكر في الانتحار، كما صار يجول في أنحاء روسيا بحثا عن ذاته الضائعة بسبب الظروف القاسية التي يعيش فيها، والتي كان لاسمه منها نصيب “غوركي تعني بالعربية الحسرة أو المرارة”
لكنه استيقظ على موهبته في الكتابة فقرر أن يجرب نشر أول قصة تدور حول لص وصبي وفلاح أثار الفقر والتهميش فيها إعجاب العديد من الناس، ثم ينشر بعدها بـ3 أعوام قصة جديدة، وليبدأ مشروعه الأدبي بالتدفق
في عام 1898 نشر مجموعة من أعماله تتضمّن بعض القصص والرسوم، بالإضافة إلى كتابة العديد من المسرحيات، وروايته الأولى “فوما قوردييف” والتي حظيت باهتمام القراء

الحضيض

 

كانت أولى مسرحيات غوركي على حافة القرن التاسع عشر 1899 هي أهم مسرحية روسية إلى يومنا هذا بحسب العديد من النقاد، فقد تم تقديم مسرحية (الحضيض) آلاف المرات وبعشرات اللغات على مسارح العالم
تتحدث المسرحية عن المتشردين البائسين الذين يعيشون بصعوبة، وفي ظروف قاهرة، ومع ذلك تجدهم يتمسكون بالبقاء وحب الحياة ومازالوا يملكون حس السخرية من الألم، وبصيص الأمل من الحضيض.

رواية الأم

 

تقدم هذه الرواية المهمة شكلا دراميا عن حياة العمال الذين يتعرضون إلى ظلم الطبقة العليا ويعشيون تقريبا كالموتى، بطلة الرواية أم تحملت قسوة زوجها من أجل ابنها، الذي آمنت به، ثم صار فيما بعد ملهمها
فعندما قرر ابنها بافل وأصدقاؤه النضال ضد الظلم والقمع والمطالبة بحقوقهم، كانت تدعمهم وتشارك معهم نشاطاتهم، نظرا لأنها عانت مع زوجها حتى توفى الظلم ذاته
ومن هنا يجعل غوركي هذه القصة البسيطة كنموذج عن الثورة البلشفية الاشتراكية التي دعمها ضد البرجوازيين، لكنها تسببت له في المتاعب أيضًا فيما بعد

مواقفه السياسية والمتاعب التي واجهها

 

كان غوركي ماركسيا عتيدا وتبرع بالكثير من عائدات أعماله لهذه القضية، فقد تبع الحزب البلشفي عام 1903، رغم أنه لم يصبح عضوا في الحزب بشكل رسمي. وفي عام 1905 دخل إلى السجن أثناء الثورة الروسية، ثم غادر البلاد بعدها بعام واحد متوجها إلى أمريكا رفقة عشيقته، قبل أن ينتقل إلى إيطاليا

وكان انتخاب مكسيم غوركي عضوا في أكاديمية العلوم الروسية عام 1902، قد أثار حفيظة القيصر نيكولاي الثاني وأمر الأكاديمية بإلغاء هذا الانتخاب، وقدم أنطون تشيخوف وفلاديمير كورولنكو استقالتهما من الأكاديمية احتجاجا على ذلك

حيث كان يرى تشيخوف وهو أبو القصة القصيرة في الأدب العالمي وواحد من أهم الكتاب حول العالم بأن غوركي موهبة حقيقية وقال عنه أنه مصنوع من عجينة الفن!

صديقي رغم كل شيء

عندما سيطر البلشفيين وقائدها صديقه فلاديمير لينين على البلاد عام 1917 عاد غوركي إلى روسيا، لكنه سرعان ما أبدى اعتراضه العلني على العديد من سياسات البلاد القمعية، رغم تأييده لحكم صديقه لينين، لكن الأخير أقفل جريدته

وكان لينين قد نصحه بالذهاب إلى أي بلاد لتلقي العلاج، وأضاف مازحا:” وبعكسه سنرحلك” وكان غوركي ذكيا بما يكفي ليفهم نصيحة صديقه، وأن الحرية لم تأتي بعد في هذه البلاد
توجب عليه السفر مرة أخرى إلى إيطاليا في حالة أشبه وأقرب للنفي، وعمل هناك على سيرته الذاتية وكتابة القصص، وكان قد طلب بوضع رسالة مع باقة ورد فوق نعش لينين في يوم وفاته بالرغم من الخلاف، فحواها كان “وداعا يا صديقي”

وقد ألف كتابا عنه فيما بعد بعنوان “الإنسان الكبير” قبل أن يعود في الستين من عمره مجددا إلى البلد نفسها التي يحلم بتغييرها إلى الأفضل بعد خطة ستالينية محكمة

خدعة ستالين

 

كان ستالين حاكما دكتاتورا ولا يحب النقد بأي شكل من الأشكال، ولذلك قرر أن يحتوي غوركي لما له من مكانة بين المثقفين والنخبة، حيث طلب إعادته بشكل دائم للبلاد ليضمن الرقابة على أعماله وكتاباته
وتمت تسمية المدينة التي ولد فيها على اسمه، بالإضافة إلى شارع في موسكو، وحصل على وعد بأن تكون له مكانة كبيرة ومرموقة في روسيا، وصار كاتب الدولة الروسية

وبالفعل خصصت الحكومة السوفيتية قصرا لغوركي في موسكو كان يعود إلى أحد النبلاء الذين استولى البلاشفة على ممتلكاتهم، كما خُصص له منزل صيفي للاستجمام على ساحل شبه جزيرة القرم
لكن ستالين قرر أن يتخذ إجراءات احترازية أكثر وضوحا بقرار حظر غوركي من السفر، وتوليته منصب رئيس اتحاد الكتاب السوفييت، ولكن هذه المرة لم يبدِ اعتراضا مثلما حدث مع لينين في 1917، رغم استمرار القمع وزيادة المظالم
ربما قبل غوركي السكوت بسبب المنصب، ولكن الكثير من الذين عرفوه قالوا إنه كان كبير السن وتعب من المجادلات والمعارك، ولم يرد الاصطدام مع حكومة ستالين الوحشية

حياته الشخصية ووفاته

 

تزوج غوركي من الناشطة في حقوق الإنسان كاترينا بشكوفا عام 1896 وأنجب منها ولدين، وفي عام 1921 وظف مساعدة له تدعى مورا بيدبيرغ وصارت فيما بعد عشيقته، كما كانت له علاقة عاطفية مع الممثلة ماريا أندرييفا
في 18 يونيو من عام 1936 وبعد وفاة ابنه بعام واحد، تدهورت صحة غوركي بشكل ملحوظ ولم يستطع العلاج جعل قلبه ينبض أكثر من ذلك، فتوفي في ظروف يرى الكثير من الناس أنها غامضة وسط شكوك حول محاولة قتل عن طريق السم، ومن تدبير ستالين نفسه، لكن الأخير أقام له جنازة كبيرة ووضع رماده في جدار الكرملن، وبنى له تمثالا أمام محطة قطار “بيلاروسكا”

أشهر أقواله

 

“علينا أن نثبت للذين يقبضون على أعناقنا ، ويعصبون عيوننا ، أننا نرى كل شيء”
“ليس شرطا أن تشفي الحقيقة روحا مجروحة”
“عندما يكون كل شيء سهلا يصبح المرء غبيا بسرعة”
“كلما ذاق المرء المزيد من المرارة زاد جوعه لمباهج الحياة”

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق