مقالات مختارة

متاهة القائد والمدير

د. محمّد النغيمش

من نقائص القائد أن يقحم نفسه في يوميات المدير. فالقائد مثل ربان السفينة أو الطائرة لا يليق به الانشغال بعمل طاقم المضيفين. ولو أن كل ربان زاحم العاملين معه وتدخل في شؤونهم فستنحرف الرحلة عن مسارها وربما لم تصل السفينة إلى بر الأمان.

القائد ينشغل بالصورة الكلية، ويحاول من خلال منصبه وقدراته «التأثير» فيمن حوله من المديرين والمرؤوسين لتوجههم نحو الهدف. فالمدير مثلا هو الذي يخطط ويراقب ويشرف على التنفيذ ويدقق في تفاصيل المشاريع ومهام مرؤوسيه. أما القائد فيفتح للمديرين الأبواب المغلقة، ويوظف علاقاته ويحاول التأكد من أن كل قطاع يقوم بدوره على أكمل وجه. ولذا تجده يركز على النتائج وليس تفاصيل العمل. ولهذا ليس أمامه سوى الثقة بالعاملين معه وإذا ما اهتزت تلك الثقة اضطر إلى العمل مديرا.

كما يفترض بالقيادي الحرص على أن تدار الأمور بطريقة العمل المؤسسي غير المرتبطة بهمة الأفراد. حتى إذا ما فترت عزيمتهم أو غابوا فجأة عن المشهد ظهر بصورة تلقائية البديل لتسيير الأمور. وهذا ما يجعلنا نحرص في مجالس الإدارة على وجود خطة تعاقب succession plan توضح من يخلف من في الإدارة.

وهناك قاعد إدارية راسخة؛ وهي أنه كلما ارتفع المنصب القيادي قلت الحاجة إلى إلمام صاحبه بالتفاصيل. وهذا لا يعني تركه الحبل على الغارب طوال الوقت. فعندما لا يكون مدير ما على قدر المسؤولية هنا يضطر القائد إلى أن يشمر عن ساعديه ويوغل في التفاصيل حتى يعرف مكمن المشكلة وأصل التراخي. وهذه عادة نقطة الخلاف الجوهرية بين المدير والقائد.
المشكلة أن القائد حينما ينشغل في «المديريات» يشغل المديرين ويوترهم فهو لا يملك كمية التفاصيل الموجودة لدى المديرين التي تبرر، على سبيل المثال، تصرفاتهم القاسية تجاه بعض الموظفين المتقاعسين أو تأخرهم في مشروع ما لاعتبارات مرتبطة بجودة العمل الذي سيرفع إلى الإدارة العليا.

والقائد يلتفت إلى الوراء بين حين وآخر للتأكد من أن إجراءات العمل كانت تسير بصورة سليمة، وما إذا كان هناك أي حاجة لإصدار قرارات جديدة تسرع أو تحسن من آلية العمل، أو ربما تنسف قرارات سابقة تبين لاحقا عدم فاعليتها. أما المدير فتجد لسان حاله يدور في فلك تساؤله الدائم عن «متى؟ وكيف؟» فهو يحاول عبر هذه الأسئلة معرفة التفاصيل المطلوبة ليتسنى له حسن إدارتها.

أما أكثر المتاهات التي يعاني منها المدير والقائد على حد سواء، حينما يحمل إليهما المرؤوسون المشكلة من دون عناء التفكير بحل أو بدائل مدروسة. فكيف يمكن للمسؤولين اتخاذ قرار من دون بدائل وجيهة؟!
الحديث عن القائد والمدير يطول في متاهات عدة. باختصار، القائد مثل مدرب كرة القدم يوجه اللاعبين، لكنه لا يملك أن يلعب نيابة عنهم. أما المدير فهو مثل كابتن الفريق لا بد أن يوجههم بصورة أكبر داخل أرض الملعب، وربما يضطر إلى أن يلعب في مكان اللاعب المتراخي.

المصدر
الشرق الأوسط

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق