مقالات مختارة

لماذا يتجنب الاقتصاديون مناقشة اللامساواة؟

نوح سميث

لماذا يفضل الاقتصاديون الحديث عن الكفاءة بدلا من عدم المساواة؟ بعد معيشتي بينهم لفترة من الزمن، صرت لا أعتقد أن السبب هو ما يظنه أغلب الناس. إن الخطاب المشترك في اليسار السياسي يدور حول أن الاقتصاديين يتزلفون للأثرياء، ويركزون خطابهم حول النمو بغية صرف الانتباه بعيداً عن القلة التي تكسب الثروات الهائلة.
ولكن التفسير الأكثر رجحاناً هو أن خبراء الاقتصاد يحاولون تفادي التورط في مستنقع السياسة. وفي لغة الاقتصاد، تحدث تحسينات «باريتو» – التسمية المأخوذة عن اسم خبير الاقتصاد فيلفريدو باريتو – عندما يتغير الاقتصاد بطريقة تجعل الحياة أفضل لبعض الناس من دون ترك أي شخص أسوأ حالا من ذي قبل. ويركز الاقتصاديون في العادة على البحث عن المواقف الرابحة المتكافئة، لأن تحسينات باريتو سوف تكون، من الناحية النظرية، قادرة على إرضاء الجميع في نفس الوقت، والتجنب النظري للاضطرار لتبني موقف أو آخر في المعارك السياسية. وعلى عكس القول القديم المأثور حول وجبات الغداء المجانية، فإن خبراء الاقتصاد دائماً ما يبحثون عنها.
غير أنه من العسير للغاية العثور على تحسينات باريتو. وعلى وجه الخصوص، أحد الأمور التي تزيد من ندرة حالات الربح المتكافئة هي وجود التفضيلات الاجتماعية، بمعنى: عندما لا يهتم الناس بما لديهم فقط، وإنما بما في أيدي جيرانهم.
وفيما يلي مثال على ذلك. تصور وجود جارين، بيت وتشارلي، وكل منهما يهتم فقط بحجم جهاز التلفاز لديه. في هذه الحالة، فإن إعطاء بيت تلفازاً أكبر ومنح تشارلي نفس الشيء، وذلك من تحسينات باريتو، فهو يجعل بيت في وضع أفضل من دون إيذاء تشارلي. ولكن افترض الآن أن بيت وتشارلي سوف يشعران بالاستياء إن حصل أحدهما على تلفاز أكبر من الآخر. الآن، إعطاء بيت التلفاز الأكبر سوف يثير حنق تشارلي، ما يعني تعرض أحدهما للإيذاء، وبفضل التفضيلات الاجتماعية، فمن الصعوبة في هذا الموقف التوصل إلى تحسينات باريتو. وفي أسوأ الحالات الممكنة، والتي لا يهتم فيها كل من بيت وتشارلي إلا بالحجم النسبي لأجهزة التلفاز خاصتهما، من المحال تحقيق تحسينات باريتو في هذه الحالة، نظراً لأن مكسب أحد الأشخاص هو على الدوام مساو لخسارة شخص آخر.
في واقع الأمر، من المحتمل أن الناس غير مدفوعين تماماً بدوافع المنافسة والحسد – يريد الناس فعلا أجهزة تلفاز بحجم أكبر، ولكن ليس لإثارة الحسد والضغينة لدى جيرانهم، ولكن بسبب أن الشاشات الأكبر هي الأفضل. بيد أن التفضيلات الاجتماعية هي حقيقية بكل تأكيد، وهي تسبب التعقيد الكبير في جهود خبراء الاقتصاد للعثور على المواقف الرابحة المتكافئة بالنسبة للمجتمع.
تعكس دراسة حديثة من تأليف الاقتصاديين سوميت أغاروال، وفياشيسلاف ميخيد، وباري شولنيك مدى تفشي هذه الغرائز التنافسية بين الناس وانتشارها. لقد درسوا ما حدث للمداخيل المالية للأسر الكندية عندما يفوز جيرانهم بجائزة اليانصيب. كان من الواضح، أن الأحياء التي تعيش فيها الكثير من الأسر التي تلعب دورة اليانصيب في المقام الأول تختلف تماماً عن الأحياء الأخرى التي ليست كذلك. ولذا، عقد خبراء الاقتصاد بالدراسة المقارنة بين الأسر التي فازت بالجوائز الكبرى مع الأسر التي فازت بالجوائز الصغرى. ثم نظروا في شأن الأسر المجاورة، للتأكد مما إذا كان الحسد من ثروات الفائزين الجديدة قد دفعهم إلى الإنفاق بما يتجاوز إمكاناتهم.
وخلص المؤلفون إلى أنه عندما يفوز أحدهم بجائزة كبيرة، يرتفع معدل الاقتراض لدى جيرانهم، ويميلون إلى مزيد من إعلان الإفلاس، مقارنة بالأشخاص الذين فاز جيرانهم بجوائز أقل. وهذا دليل قوي على أنه عندما يبدأ جيران الناس في إنفاق المزيد من المال، يثور الحافز لدى الناس على محاولة إنفاق المزيد لمواكبة مستواهم الملحوظ، حتى وإن كان ذلك على حساب الاقتراض غير المستدام. وعندما يرون جيرانهم الحائزين جوائز اليانصيب الكبرى يتباهون بسيارات فارهة، أو يضيفون تحسينات منزلية جديدة، أو ترتفع معدلات استهلاكهم بشتى الصور، فإن مشاعر التنافسية والحسد تغدو أقوى مما كانت، لدرجة أنها تطغى على الحس المالي السليم لديهم.
تميل الدراسة المذكورة إلى الاتفاق مع نتائج دراسات سابقة. ففي عام 2011 نشرت دراسة من تأليف الاقتصاديين بيتر كوهن، وبيتر كورمان، وأدريان سويتيفينت، وآري كابتين، وخلصت على سبيل المثال إلى أن جيران الأشخاص الهولنديين الفائزين بجوائز اليانصيب يميلون إلى شراء المزيد من السيارات.
ولذلك آثاره الواضحة على الفقاعات المالية ونظرية دورات الأعمال. إن كانت فقاعات الإسكان، مثل تلك التي شهدتها الولايات المتحدة في منتصف عام 2000، تعمل عمل اليانصيب – إذا كان الناس الذين ينجحون في قلب منازلهم للحصول على مكسب كبير يشبهون الفائزين باليانصيب، ويقترض جيرانهم لمواكبة المظاهر – عندئذ قد تكون هذه رابطة بين الفقاعات المالية وأزمات الديون. وهذا من أسباب القلق بشأن عدم المساواة.
وفي الولايات المتحدة والعديد من البلدان الأخرى، ارتفعت معدلات عدم المساواة خلال العقود الأخيرة.
ومن شأن عدم المساواة أن يدفع المواطنين الأميركيين إلى إنفاق المزيد وادخار القليل من أموالهم، الأمر الذي يزيد من مخاطر وقوع أزمات الديون، ويقلل كذلك من معدلات الاستثمار، ما يجعل أجيال المستقبل أكثر فقراً.
بيد أن التفضيلات الاجتماعية تزيد من تعقيد الجهود الرامية إلى الحد من عدم المساواة. ونفس الغريزة التنافسية التي تنطبق على جوائز اليانصيب تنسحب كذلك على التحويلات الحكومية. وخلصت دراسة من إعداد الاقتصاديين مانويلا انجيلوتشي، وجياكومو دي جورجي إلى أن التحويلات النقدية الحكومية في المكسيك رفعت من معدلات الاقتراض وقللت من معدلات الادخار بين الأسر المكسيكية، التي لم تتلق هذه التحويلات كغيرها.
– بالاتفاق مع «بلومبيرغ»

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق