اخبار شاعر ليبيااهم الاخباركتَـــــاب الموقع

لماذا نجح برنامج شاعر ليبيا..؟

مهدي التمامي

إذا تأملنا مشهد الشعر الشعبي، وإعلاميته، نجد أنه ارتهن للمناسبات التعبوية والمنابر الموجهة.. ففيما سبق تم احتكار الشعر، والكفاءات الأدبية بصورة عامة من قبل رؤية أحادية لم تكن من إنتاج مصادر تتمتع باستقلال ولو نسبي.. وهذا في حقيقته وهم مثالي مرجعه الماركسية في نسختها المشوهة التي طغت نقديا، في الوطن العربي تحديدا، والتي كانت تسعى لاحتكار المجال المستقل.

كان الإبداع، ومايزال طوق نجاة من رتابة الحياة وضغطها الدائم، وشراسة تروسها الدائبة بلا هوادة.. ونوعا من مقاومة الإنسان في مواجهة قلقه المصيري فوق الأرض، من حيث هو ضحية للا معنى وانهيار القيم وتعذر إيجاد معايير مقبولة في عالم محكوم بمقولة قاحلة (الغاية والوسيلة) لا يقدر على التحرر من هذه الوضعية إلا بواسطة (ملكتين توأمين) كما تسميهما (حنا أرندت) يتمثلان في (العمل والكلام).. هاتان الملكتان تقومان بإنتاج حكايات غنية بالمعاني، تماما كما ينتج الصانع أشياء للاستعمال.

في حديثه عن فعالية الخطاب الطقوسي وشروطه الاجتماعية يرى (بيير بورديو) أن سلطة الآخر (على اختلافه) تعي أن من يعطي للكلمات معنى وقوة، ويجعلها قادرة على الإيمان بمعتقد ما أو خرق هذا الإيمان، ليست الكلمات نفسها.. بل هو “الإيمان بمشروعية الكلمات ومن ينطق بها”.

وهنا تكمن قوة الشاعر الثوري الذي بمقدوره عبر الكلمات التي تجسده أن يعود من تحليقه البعيد بالأمل والتفاؤل للآخرين بإمكانية تغيير الواقع وحرثه من جديد لموسم واعد… وهنا أيضا تكمن قوة الشعر في جوهره الغامض، والتي تتمثل في خلخلة الطمأنينة الواهية، وإيقاظ القوة الكامنة عند الطبقة المستضعفة. فالشاعر يراكم الضياء، ليصير الوعي في حوزة الجميع.

وإذا ما عدنا إلى عنواننا التساؤلي حول النجاح الباهر لبرنامج (شاعر ليبيا).. البرنامج الأكثر شهرة على مستوى البرامج الليبية عبر كل القنوات.. فإننا نجد السر يكمن في لغة الخطاب التي تبنتها قناة 218 المتمثلة في (اللهحة الليبية).. إذ منذ البداية كان الهدف والرسالة هي إنشاء تلفزيون يعتمد على الشارع الليبي بتنوع مستوياته وجغرافيته، ينبثق منه ليعود إليه، كنوع من التدوير المجاز لجمالياته المخبأة خلف صخب بريء.

لقد أنقذ برنامج (شاعر ليبيا) الشعر من الاختزال التعسفي من ناحيتين، أولا: من حيث أنه حكر على جهة أو فئة أو مدينة بعينها. وثانيا: من حيث اقتصار الشعر على اللغة الفصحى، عندما يكون الحديث عن الشعر كنص إبداعي مطلوب منه تجاوز الحدود والتواشج مع مدونة الآخر الإبداعية.

من هنا أعيد وأؤكد بأن الاستخدام الذكي للعامية (اللهجة الليبية) أنوذجا، من خلال أغلب برامج قناة 218 أعطى دورا مهما لفئة اجتماعية بعيدة عن السلطة الحاكمة وخطابها السلطوي الجاف المبهم بلغته الاعتيادية البليدة، يعاضده في ذلك الخطاب المتخشب لأغلب الفضائيات، والمتدفق من حناجر الأبواق المتعددة التي انتشرت كالفطر بين عشية وضحاها.. كما أن استخدام العامية، إعلاميا، يمنح تلك الفئة الاجتماعية المعزولة فرصة المشاركة في الحياة الثقافية والإنتاج الفني والأدبي، والاستمتاع بهذا الإنتاج. لتقوم العامية بوظيفة اجتماعية تقود بدورها إلى التضامن الاجتماعي الذي هو كما يقول (دوركهايم).. شرط للتضامن الأخلاقي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق