كتَـــــاب الموقع

طريق ضيق إلى عمق الشمال (8)

باشو

ترجمة: عمر أبو القاسم الككلي

محطة (23): هيرايزومي

هنا انقضى غرب ألق ثلاثة أجيال من أسرة فيوجيوارا كما الحلم، خرائب البوابة الرئيسية حيّت عينيَّ على بعد ميل قبل وصولي إلى قصر الوجيه هيديهيرا الذي تحوّل بالكامل إلى شظايا في حجم حبوب الأُرز، جبل كنكي وحده احتفظ بهيئته الأصلية، عندما صعدتُ التلال الصغيرة عند حضيض الجبل التي تسمى تاكاديت، حيث لاقى الوجيه يوشيتسون منيته، شاهدتُ نهر كيتاكاماي يجري عبر سهول نامبو بأقصى قوته، ورافده كوروموغوا يتلوى بطول موقع قلعة آيزوميغاشيرو ليصبَّ مباشرة في النهر الكبير أمام نظري، بيت الوجيه ياسوهيرا كان يقع شمال بوابة العبور عند كوروموغاسكي، وبذا تمنع الدخول من منطقة نامبو مشكلة حماية ضد المقتحمين الهمج من الشمال. مآثر عديدة للحماس الفروسي تكررت هنا خلال الحقبة القصيرة لثلاثة أجيال، بيد أن الفاعلين وأعمالهم ماتت منذ زمن طويل وطواها النسيان. حين تنهزم البلاد لا يبقى سوى الجبال والأنهار، وعلى خرائب القلعة في الربيع لا يبقى سوى العشب مزدهرا. جلست على قبعتي وبكيت بمرارة حد أنني كدت أسهو عن الوقت.

أيكة من النبات الصيفي

هي كل ما بقي

من أحلام المحاربين القدامى وطموحاتهم،

التقطت لمحة

من البياض الثلجي لشعر كانيفوسا

تومئ أزهار يونوهانا البيضاء

(كتبها سورا).

دواخل المبنيينِ المقدسينِ اللذين كثيرا ما سمعت عن عجائبهما باندهاش تكشّفت لي أخيرا. في مكتبة سوتراس كانت توجد تماثيل لثلاثة وجهاء حكموا هذه المنطقة التي ادخرت في ما يسمى معبد الذهب حيث تحوي التوابيت جثامينهم وتحت العشب الكث تتبعثر كنوزهم، أبوابهم المرصعة بالجواهر محطمة وعرصاتهم منهارة، ولكن بفضل السور الخارجي والغطاء البلاطي المضاف الحامي، نجا هذا المعبد ليكون صرحا على الأقل مدة ألف سنة.

حتى مطر مايو المتواصل

لم يؤثر فيه،

هذا المعبد ألق في الظل الداكن

محطة (24) ديواغوي

مبتعدا عن الطريق الرئيسي الذي يقود إلى إقليم نامبو، وصلتُ إلى قرية آيويت حيث مكثتُ ليلتي. في اليوم التالي بحثتُ عن رأس أوغورو وجزيرة ميزو الصغيرة، كلاهما في نهر، ومرورا بالنبع الساخن في ناروكو  بلغت بوابة شيتوماي التي هي مدخل إقليم ديوا. كان حراس البوابة متشككين بشكل مبالغ فيه لأن قلة من الناس فقط يجرؤون على عبور هذا الطريق الوعر في الظروف العادية. سمح لي بالدخول بعد طول انتظار بحيث أدركني الظلام وأنا أصعد جبلا ضخما. من حسن حظي أن آواني أحد حراس البوابة في بيته في هذا الخلاء المستوحد. هبت عاصفة واضطررت إلى البقاء ثلاثة أيام.
متعرضا لقرصات البراغيث والقمل،

نمت على السرير،

حصان يتبول طوال الوقت

قرب مخدتي.

وفقا لأقوال حارس البوابة، توجد سلسلة جبال تنتصب حائلا في طريقي إلى إقليم ديوا، والطريق محفوف بمخاطر جمة. لذا كان عليَّ تأجير دليل. كان حارس البوابة من اللطف بحيث وجد لي شابا ضخم البنية، سار أمامي وسيف معقوف معلق إلى خصره قابضا بحزم على عصا بلوط في يده. تبعته وأنا خائف مما يمكن أن يحدث في الطريق. ما أخبرني به حارس البوابة تكشف عن أنه حقيقي. كانت الجبال مغطاة بشجر كثيف والهواء تحت هذا الغطاء كان ساكتا سكوتا مطبقا إلى درجة شعرت معها كما لو أنني أتلمس طريقي في ليل بهيم. ما سمعت حتى صيحة واحدة لطائر منفرد، وبدت الريح كما لو أنها تزفر سخاما أسود خلال صدوع السحب الساكنة. شققتُ طريقي عبر أشجار البامبو النامية بكثافة تحت الأشجار الكبيرة قاطعا جداول عديدة ومتعثرا بكثير من صخور، إلى أن وصلت، أخيرا، قرية موغامي بعد أن نضحتُ عرقا كثيرا باردا. هنأني دليلي بالقول إنني محظوظ فعلا لعبوري الجبال سالما، لأن حوادث من نوع ما كانت دائمة الوقوع في رحلاته الماضية. شكرته بإخلاص وافترقتُ عنه. وعلى أية حال، لبث الخوف يدور بخلدي لبعض الوقت بعدها.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى