كتَـــــاب الموقع

طريق ضيق إلى عمق الشمال 3

ماتسو باشو
ترجمة: عمر أبو القاسم الككلي

محطة (6): ناسو

لديَّ صديق يعيش في مدينة كيوروبين في إقليم ناسو. كان ثمة براح عشبي سَبِخ واسع، على ضفته الأخرى تقع المدينة. فضلت أن آخذ طريقا مختصرا يمتد أميالا وأميالا عبر البراح. انتبهت إلى قرية صغيرة في البعد، وقبل أن أصلها بدأ المطر في الهطول وأطبق عليَّ الظلام. آويت إلى بيت مزارع مهجور لأبيت تلك الليلة وأستأنف الرحيل في الصباح. وأنا أشق طريقي خلال الأعشاب، رأيت جوادا يرعى على حافة الطريق وفلاحا يحصد العشب بمنجل. سألته أن يصنع معي معروفا بإعارتي جواده. تردد للحظة، وما لبث أن قال لي، وملامح التعاطف بادية على محياه: “هناك مئات الطرق المتقاطعة في البراح العشبي السبخ. غريب مثلك يمكن أن يتوه بسهولة. هذا الجواد يعرف الطريق. يمكنك إرساله عائدا حين يأبى المضي قدما”. عندما امتطيت الجواد وشرعت بالابتعاد ركض خلفي طفلان. أحدهما طفلة اسمها كاسين، الذي يعني “متشعب”. اعتقدت أن اسمها غريب نوعا ما، لكنه جميل على نحو استثنائي.

إذا كان اسمك كاسين،

يعني التشعب، فإنه يلائم أيضا

شجيرة قرنفل ذات زهرتين.

ثم وصلت قرية صغيرة. لذا أرسلت الحصان عائدا مع مبلغ مالي صغير مربوط بالسرج.

محطة (7): كيوروبين

وصلت بالسلامة مدينة كيوروبين وزرت صديقي جوبوجي الذي كان حينها يرعى قصر سيده في غيابه. كان شديد الابتهاج برؤيتي فجأة، وتحادثنا طوال أيام وليالٍ. أخوه، توسيوي، انتهز أية سانحة للتحدث معي، مصطحبا إياي إلى بيته ومعرفا إياي على أقاربه وأصدقائه. ذات يوم قمنا بجولة في الضواحي. رأينا خرائب قديمة لميدان اصطياد الكلاب، وخرجنا متوغلين في البراح المعشب لنرى قبر السيدة تمامو ومقام هاشيما الشهير، الذي يقال أن عنده طلب الإله رامي السهام الشجاع يويتشي العون عندما واجه تحديا برمي مروحة معلقة فوق قارب يبتعد عن الشاطئ. وصلنا البيت بعد حلول الظلام.

دعيت عند خروجي من معبد كوميوجي لزيارة قاعة محفوظ فيها مؤسس طائفة شوجن والذي يقال ساح عبر البلاد كلها منتعلا قبقابا خشبيا، ناشرا عقائده.

بين الجبال في عز الصيف،

ركعت احتراما أمام

القبقاب العالي للتمثال

سائلا مباركة رحلتي.

محطة (8): أنغانجي

يوجد معبد زِنِّي يسمى أنغانجي في هذا الإقليم. اعتاد الراهب بوكتشو العيش في عزلة في الجبال وراء المعبد. أخبرني مرة أنه كتب القصيدة التالية على صخرة في معتزله بفحم صنعه من الصنوبر:

هذا المعتزل المغطى عشبا،

لا يكاد يبلغ خمسة أقدام مربعة،

يسعدني التخلي عنه،

لكن للمطر.

اصطحبتني جماعة من الشباب إلى المعبد، تحدثوا بجذل كبير طوال الطريق إلى درجة أنني وصلت المعبد قبل أن أدرك أنني وصلته. بني المعبد على جانب من الجبل مغطى تماما بأشجار الأَرَز الغامق والصنوبر. يمتد مسرب بارتفاع الوادي، بين ضفتين من الطحلب القطار، يفضي بنا إلى بوابة المعبد عبر جسر. كان الهواء ما يزال باردا، على الرغم من أننا في أبريل.

ذهبت وراء المعبد لأرى أطلال معتزل الراهب بكتشو. كان المعتزل كوخا صغيرا يستند على قاعدة صخرة هائلة. شعرت كما لو أني في حضرة معتزل الراهب جنمايو أو مختلى الراهب هاون. علقت على عمود خشبي من الكوخ القصيدة التالية التي كتبتها لحظتها:

حتى نقار الخشب

لم يلمس،

هذا الكوخ الصغير

في غيضة الصيف.

محطة (9): سِسهوسيكي

استأذنت من صديقي كيوروبين متوجها نحو الصخرة القاتلة، وهي تسمى هكذا لأنها تقتل الطيور والحشرات التي تقترب منها. كنت أمتطي جوادا أعاره لي صديقي حينما طلب مني الفلاح الذي قاد الجواد تأليف قصيدة من أجله. كان طلبه مفاجأة سارة بالنسبة إليَّ:

أدر حصانك

نحو الحقل،

كي أسمع

صيحة الوقواق.

تقع الصخرة القاتلة في زاوية ظليلة لأحد الجبال قرب نبع ساخن، وكانت محاطة بالكامل بغاز سام يتصاعد منها. كان ثمة كوم من النحل الميت والفراشات وحشرات أخرى حد أنه بالكاد يمكن تبين لون الأرض.

ذهبت لرؤية شجرة الصفصاف التي احتفى بها سايجيو في قصيدته التي ورد فيها: “باسطة ظلها على النبع البلوري”. وجدتها قرب قرية أشينو على ضفة حقل أُرز. كنت أتساءل داخلي أين تقع هذه الشجرة، لأن حاكم الإقليم حدثني عنها تكرارا. لكن اليوم، ولأول مرة في حياتي، سنحت لي الفرصة لأريح رجليَّ المرهقتين في ظلها.

حيث غرست البنات،

حقل أُرز مربعا،

خطوت خارجا من

ظل شجرة صفصاف.

الوسوم

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق