كتَـــــاب الموقع

طريق ضيق إلى عمق الشمال (14)

ماتسو باشو

ترجمة: عمر أبو القاسم الككلي

محطة (38): دايشوجي

توقفت ليلا في زِنشوجي قرب قلعة دايشوجي بإقليم كاغا. سورا أيضا مكث هنا الليلة البارحة وترك هذه القصيدة:

طوال الليل

استمعت إلى ريح الخريف

معولة على التل

خلف المعبد

تفصلني عن سورا مسافة ليلة، لكن ذلك كان كما لو أننا منفصلان مسافة آلاف الأميال. أنا أيضا أويت إلى السرير وسط رياح الخريف المعولة، واستيقظت باكرا الصباح التالي وسط غناء الرهبان، الذي أعقبته مباشرة ضجة جرس الإفطار. وبما أنني كنت راغبا في الذهاب نحو إقليم إتشيزن خلال النهار، فقد غادرت المعبد دون تأخير. لكن عند وصولي قدم الممر الطويل المفضي إلى المعبد جاء راهب شاب ينزل الدرجات جريا حاملا فرشاة وحبرا، طالبا مني أن أكتب قصيدة بالمناسبة. تصادف أنني لاحظت تناثر بعض أوراق الصفصاف في الحديقة، كتبت فورا:

تمنيت، ردا لجميل الضيافة،

لو أنني جمعت أوراق الصفصاف

المتناثرة عبر الحديقة

وغادرت المعبد دون حتى أن أعيد ربط حذائي القشي.
اسـتأجرت قاربا في ميناء يوشيزاكي على حدود إقليم اتشيزن، عازما على رؤية الصنوبرة الشهيرة في شيوغوشي. عُبِّر أفضل ما يكون التعبير، في اعتقادي، عن جمال هذا المكان في قصيدة سايغوي التالية:

طالبة من الريح سوق

موجات البحر الملحية،

صنوبرة شيوغوشي

ظلت طوال الليل تقطر

قطرات متألقة من ضوء القمر

إذا ما جرؤ أحد، بعد هذا، على كتابة قصيدة عن شجرة الصنوبر هذه فسيكون كمن يحاول إضافة أصبع سادس إلى اليد.

محطة (39): مارووكا

ذهبت إلى معبد تنرايوجي في مدينة ماتسووكا، لأن رئيس رهبان المعبد كان من أصدقائي. شاعر يدعى هوكيشي رافقني إلى هنا من كانازاوا، على الرغم من أنه لم يتوقع أبدا أنه سيقطع هذه المسافة حين بدأ السير على الطريق. الآن قرر الذهاب إلى موطنه، بعد أن ألف عدة قصائد عن المناظر التي استمتعنا بها معا. بمجرد أن توادعنا كتبت:

وداعا، مروحتي القديمة.

هل سأمزقها نهاية الصيف،

بعد أن كتبت عليها؟*.

بعد قيامي بجولة حوالي ميل ونصف بعيدا عن ماتسووكا، ذهبت إلى معبد إيهيجي. بدا لي من شبه المعجزة أن الراهب دوجن تخير هذا الموضع المنعزل لإقامة هذا المعبد.

محطة (40): فوكوي

المسافة إلى فوكوي ثلاثة أميال فقط. غادرت المعبد، بعد تناول وجبة العصر، عبر طريق يتجه نحو الإظلام، بخطى غير ثابتة. كان يوجد بهذه المدينة شاعر اسمه توساي سبق لي أن رأيته في إيدو منذ حوالي عشر سنوات. ودون أن أعرف ما إذا كان قد مات أو أنه مازال عائشا، ذهبت لرؤيته، مسترشدا برجل صادفته على الطريق. حين وصلت إلى كوخ متواضع في شارع خلفي، مفصول عن بقية البيوت بمساحة من أزهار القمر واليقطين الزحاف وقطيفة ومشتجر عرف الديك ورجل الإوز نامية في الواجهة، تأكدت أنه بيت صديقي. بمجرد أن طرقت الباب، أطلت علي امرأة ذات ملمح حزين وسألتني عما إذا كنت راهبا ومن أين أتيت. ثم أخبرتني أن سيد البيت ذهب إلى مكان معين في المدينة، وأنه من الأفضل لي أن ألتقيه هناك إذا ما كنت أرغب في التحدث معه. من هيئة المرأة خمنت أنها زوجة صديقي، وشعرت بقدر غير قليل من الاستثارة وأنا أتذكر بيتا مماثلا وحكاية مماثلة في كتاب حكايات قديم. عثرت على صديقي وقضينا معا ليلتين. ثم غادرت بيته اليوم الثالث لرغبتي في رؤية البدر في الخريف بميناء تسوروغا. قرر توساي مرافقتي وسار على الطريق بمعنويات عالية، مشمرا حواشي الكيمونو بطريقة غريبة إلى حد ما.

* مع نهاية الصيف لا تعود للمروحة أهمية. لكن باشو متردد في التخلص منها بسبب ما كتب عليها. (الشرح منقول عن مصدر آخر).

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى