اهم الاخباركتَـــــاب الموقع

طريق ضيق إلى عمق الشمال (12)

ماتسو باشو

ترجمة: عمر أبو القاسم الككلي

محطة (34): إتشيبوري

وصلت بوابة إتشيبوري الحدودية بالغ الإجهاد، جراء تجشم عناء عبور مواضع خطرة بحذاء البحر تحمل أسماء مرعبة من مثل: أطفال هجرهم أباؤهم.. آباء نبذهم أبناؤهم.. الكلب المتخلي عن مولاه.. الحصان المتمرد، فآويت فورا إلى السرير. إلا أن صوت تهامس امرأتين شابتين في الغرفة المجاورة طرف على أذنيَّ. كانتا تخاطبان رجلا عجوزا، واستنتجت من همسهما أنهما مومسان من نيغاتا في إقليم إتشيغو، وأن العجوز، بعد أن رافقهما في الطريق إلى مقام آيز يزمع الذهاب اليوم التالي حاملا رسائلهما إلى أقاربهما وأصدقائهما. تعاطفت معهما لأن حياتهما، مثلما قالتا من خلال همسهما، تقتضي منهما الطفو حتى لو كان زبد الأمواج يضرب الشاطئ وأنهما مضطرتان إلى إيجاد زبون جديد كل ليلة، فعليهما تجديد وعودهما بالحب عند كل منعطف، مؤكدتين، بذلك، وفي كل وقت، على الخطيئة المهلكة في طبيعتهما. أنصت إلى همسهما إلى أن هدهدني التعب كي أنام. عندما خطوت على الطريق الصباح التالي التقيت بالمرأتين. اقتربتا مني قائلتين والدمع في عيونهما “إننا مسافرتان تقطعت بنا السبل، غريبتان تماما على الطريق. فهل تتفضل علينا بمرافقتك على الأقل؟. إذا كنت راهبا كما يدلنا رداؤك الأسود، فلتكن رحيما بنا وساعدنا على تعلم الحب العظيم من مخلصنا*”. ” كلماتكما لامست أعماقي” أجبت بعد لحظة تفكير. “إلا أنه علينا التوقف مرارا عديدة في طريقنا. وهذا يمنعنا من مساعدتكما. اسلكا الطريق الذي يسلكه المسافرون الآخرون. إذا كنتما تثقان في المخلص، فلن تغيب عنكم حمايته الإلهية”.

وأنا أبتعد عنهما امتلأ  قلبي شفقة ملحاحة.

تحت نفس السقف

نمنا معا،

أنا ومومسان-

روضتا برسيم

وقمر.

لما قرأت القصيدة على سورا، سارع بكتابتها في دفتره.

عبرت ما يسمى ثمانية وأربعون مسيلا لنهر كيوروبي وينابيع أخرى لا حصر لها، إلى أن وصلت قرية ناغو، حيث سألت عن معترشات الوستيريا** الشهيرة في تاكو، لأنني أحببت أن أرى الألوان التي تتخذها أول الخريف، على الرغم من أن موسم إزهارها في الربيع. أجابني القرويون بأنها تقع خلف الجبال على مبعدة حوالي خمسة أميال بحذاء الشاطيء وأن المكان خالٍ تماما من السكان، ولذا من غير المتوقع العثور على كوخ صياد سمك يمكنني المكوث فيه ليلا. أخافتني هذه الكلمات، فاتجهت مباشرة إلى إقليم كاغا.

تمشيت خلال أبخرة

الأرز الباكر النضوج،

على يميني في الأسفل

مياه “البحر الغاضب”

محطة (35): كانازوا

عبرت جبال أونوهانا- ياما وأودية كوريكارا- داني حتى وصلت مدينة كانازاوا في الخامس عشر من يوليو، وهناك التقيت بتاجر من أوزاكا، يدعى كاشو، دعاني للإقامة في الفندق الذي يقيم فيه.

كان يوجد في هذه المدينة رجل يدعى إسشو منحه حبه غير العادي للشعر سمعة راسخة بين مزامنيه من الشعراء. قيل لي أنه مات فجأة شتاء السنة الماضية. حضرت تأبينا له أقامه أخوه.

حوِّل قبر صديقي الصامت،

إذا كنت تسمع نحيبي

ورَدَّ عزيف الرياح الخريفية

عن زيارة خلوة أحد الرهبان:

هذا اليوم الخريفي اللطيف،

دعنا نقشر  بيدينا

القثاء والباذنجان

لعشائنا المتواضع.

الهوامش:

* يبدو أن المقصود المسيح.

** نبات معترش ذو زهر عنقودي أزرق أو أبيض أو أرجواني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق