كتَـــــاب الموقع

طريق ضيق إلى عمق الشمال (11)

ماتسو باشو

ترجمة: عمر أبو القاسم الككلي

محطة (31): ساكاتا

مغادرا جبل هاغورو اليوم التالي، وصلت مدينة قلعة1 تسمى تسورو-غا-أوكا حيث تم استقبالي بحفاوة من قبل المحارب ناغياما شيجيوكي وألفنا، أنا وهو وزوشي ساكيتشي، الذي رافقني من جبل هاغورو، كتابا من الشعر المتصل2. بعد أن ودعتهم نزلت عبر نهر موغامي ثانية على متن قارب ووصلت ميناء ساكاتا فاستضافني طبيب يدعى إينان فيوجيوكو.

استمتعت بالأصيل الهادئ

مستروحا نسيم شاطئ فاكيورا،

وخلفي ما زال جبل أستومي

تحت الشمس الحارة،

ونهر موغامي الممتد والعميق

تحت أمواجه العالية

شمس الصيف الملتهبة

محطة (32): كيساغاتا

شاهدت منذ رحيلي مشاهد جمال طبيعي لا حصر لها، اشترك في تكوينها البر والماء والجبال والأنهار في تناغم، ومع ذلك لا أستطيع كبح رغبتي الملحة لرؤية جمال كيساغاتا الخارق، وهو هور واقع شمال شرق ساكاتا. سلكت مسربا ضيقا لمسافة حوالي عشرة أميال، متسلقا التلال ونازلا الشواطئ الصخرية، أو متحاملا على نفسي عبر الشواطئ الرملية. لكن بمجرد أن أخذت الشمس الواهنة تقترب من الأفق، تصاعدت ريح قوية من البحر مُطيِّرة ذرات الغبار الدقيقة، وشرع المطر، هو الآخر، في نشر ستار رمادي من السحب عبر السماء، إلى درجة أن جبل تشوكاي نفسه توارى عن النظر. سرت في هذه الحالة من شبه العمى متصورا في ذهني كل المناظر، إلى أن صادفت كوخ حوات، تحدوني قناعة بأنه إذا لم يكن يوجد الكثير من الجمال في المطر المعتم، فإن الطقس الصاحي يعد بالكثير.

سماء صاحية وشمس متألقة حيتا ناظريَّ اليوم التالي، وأبحرت عبر الهور في قارب مفتوح. بداية توقفت عند جزيرة صغيرة، مسماة على اسم الراهب نينو، لألقي نظرة على معتزله الذي مكث فيه ثلاث سنين، ثم نزلت عند الشاطئ المقابل حيث توجد شجرة الكرز العريقة التي مجّدها سايغوي عندما كتب “مبحرا عبر أمواج الأزهار”. يوجد أيضا ضريح الإمبراطورة جنغو ومعبد يدعى كانمانجوجي. تفاجأت بعض الشيء حين سمعت بزيارتها للمنطقة، وشككت في صحة الواقعة تاريخيا. لكنني، مع ذلك، جلست في غرفة فسيحة بالمعبد لأشرف على الهور بكامله. حينما رُفعت الستائر وكشف مشهد غير عادي لي عن نفسه، حيث يدعم جبل تشوكاي السماء في الجنوب مثل عرصة وصورته الظليلة تنعكس في المياه.. بوابة مويامويا الحدودية غربا بالكاد تُرى، ومجاز لا نهائي يقود إلى أكيتا شرقا، وأخيرا، شمالا تقع شوغوشي، فم الهور، حيث تضربه أمواج المحيط. وعلى الرغم من أن عرض الهور لا يزيد عن الميل إلا قليلا، فإنه ليس أقل فتنة وجلالا من ماتسوشيما. وعلى أية حال توجد فوارق واضحة بين الاثنين. فماتسوشيما ذو جمال مرح ضحوك، على حين أن فتنة كيسيغاتا تكمن في ملامحه الباكية. فهو ليس وحيدا فحسب، وإنما نادم أيضا، في ما يبدو، بسبب آثام مجهولة. إن له، فعلا، شبها كبيرا مؤثرا بتعابير ذهن مضطرب.

الشجرة الحريرية3 المزهرة

تحت نثيث المطر الناعم في كيساغاتا

تذكرني بالسيدة سيشي

في تفجع حزين.

الغرانيق تتقافز في

شاطئ شيوغوشي البليل

لاعبة بأرجلها الطويلة

في المد البحري اللطيف.
أتساءل: أية أطايب

ستقدم هناك

يوم الاحتفال في كيسيغاتا

كتبها سورا

جالسين ملء راحتهم،

على أبواب أكواخهم،

يستروح الحواتة

نسيم المساء العليل

كتبها تيجي [تاجر صديق لباشو]

قصيدة عن زوجي عُقاب وفيين بنيا عشهما على صخرة:

أية غريزة إلهية

أرشدت هذين الطيرين

إلى أنه ما من موجة ستعلو

وتزيح بيتهما

كتبها سورا

محطة (33): إتشيغو

بعد مكوثي في سكاتا بضعة أيام، غادرت شارعا في مسيرة طويلة مسافة مئة وثلاثين ميلا إلى عاصمة إقليم كاغا. حين رفعت نظري إلى السحب التي كانت تكتنف طريق جبال هوكوريكو، أبهظ قلبي التفكير في المسافة التي بانتظاري. مغالبا نفسي طوال الوقت، دخلت إقليم إتشيغو عبر بوابة نيزو الحدودية، ثم وصلت بوابة اتشيبوري الحدودية في إقليم إكتشو. خلال الأيام التسعة التي استلزمتها هذه الرحلة لم أتمكن من كتابة الكثير. أنى يمكن لي ذلك مع الحر والرطوبة وآلامي القديمة التي تمضني بشدة.

الليلة تبدو مختلفة

اليوم السادس من يونيو،

لأنه غدا، ولمرة في السنة،

تلتقي النساجة4 عشيقها.
درب التبانة5

ينتسج في قوس مفرد

البحر الهائج
يصل سادو خلفنا.

1- المقصود أن المدينة تكونت حول القلعة.

2- مطولات شعرية يشترك في كتابتها أكثر من شاعر.

3- شجرة صغيرة ذات أوراق ريشية متعنقدة وأزهار وردية صيفا.

4- نجمة النساجة ونجمة الراعي، عن قصة حب صينية بين فتاة نساجة وراعٍ شاب تحولا إلى نجمين.

5- في الإنغليزية: الدرب الحليبي Milky way.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى