كتَـــــاب الموقع

صناعة الجلاد

راي هربرت

ترجمة: عمر أبو القاسم الككلي

يسمي فليب زمباردو هذا “تراخيه الشرير” الذي ظل يحاول إصلاحه لأكثر من ثلاثة عقود. يشير اختصاصي علم النفس بجامعة ستانفورد هنا إلى دوره في الدراسة النفسية التي أصبحت سيئة الصيت، وتقليدية في أدبيات العلم الاجتماعي social science literature المعروفة بـ”تجربة سجن ستانفورد Stanford Prison Experiment “.

بدأت التجربة صيف 1971كمشروع تخرج حول علم نفس الحصر incarceration. أقام زمباردو نموذجا لسجن في قبو مبنى قسم علم النفس، واختير المتطوعون عشوائيا ليلعبوا دور السجناء أو حراس السجن. سارت الأمور بشكل خاطئ تقريبا فورا. فعلى الرغم من أن الحراس اختيروا عشوائيا، فإنهم تعاملوا مع سلطتهم المكتسبة بحماس وجذل، وأخذوا يسيؤون، لفظيا وبدنيا، معاملة زملائهم الطلبة الذين قضى حظهم السيء بسحبهم قرعة السجناء. لقد كان الحراس، فعلا، عديمي الإنسانية وساديين ما اقتضى إيقاف التجربة مبكرا، وأخفق هدف اعتبارها دراسة حالة في مجال البحث الأخلاقي.

يكرر زمباردو اعترافه بالذنب مبكرا في كتابه الجديد “تأثير الشيطان The Lucifer Effect”. إلا أن غرضه هنا أوسع من ذلك بكثير. العنوان الفرعي للكتاب هو “استيعاب كيف يتحول الناس الطيبون إلى أشرار” وبذا يأخذ الكتاب دروسا غير مريحة استقيت من تجربة ستانفورد ليطبقها على العالم المعاصر، وخصوصا على السلوك المروع للحراس في سجن الجيش الأمريكي المكتظ المعروف بأبو غريب في العراق.

مثله مثل الكثيرين في العالم، صدم زمباردو بالصور المرعبة عن وقائع أبو غريب التي نشرت وأذيعت في أبريل 2004: سجين عراقي عارٍ يطاف به مقادا بمرس كالكلب، آخرون، عرايا أيضا، كوموا على هيئة هرم، وآسروهم يصورون وجوههم، أكثر من ذلك، آخرون أجبروا على الاستمناء أو يقلدون حركة الرضع، وكل صورة أكثر صدما من التي قبلها. تقريبا، خلال عشية وضحاها، أصبح أبو غريب مرادفا للتعذيب المنظم والإذلال من جنود أمريكيين.

انخراط زمباردو في النشاط المعادي للحرب في فييتنام، وضعه في مسار لم يكن محتملا: فلقد صار شاهدا خبيرا بخصوص العريف إيفان فردرك، أحد الجلادين في أبو غريب. لقد شعر أنه مضطر للدفاع عن سلوك هذا الجندي، الذي كان وحشيا، لأنه أدرك، أخذا في الاعتبار الصلاحيات الممنوحة في تلك الظروف، أن الشبان المهذبين يمكن أن يتحولوا إلى مسوخ. أدرك هذا لأنه سبق له أن اصطنع تلك الظروف عينها وشاهد التحول.

الحجة الأساسية في “تأثير الشيطان” أنه ليس ثمة تفاح سيّئ، ثمة فقط حاويات سيئة. ذلك هو تعبير زمباردو المجازي عن سلطة الوضع الذي يدفع إلى إظهار الميول الفردية. وهو يحاكم في الكتاب كبار ضباط الجيش الأمريكي، متهما إياهم بإسباغ الشرعية على الوضع من خلال شروط نفسية مسبقة – بما في ذلك الضغط الفائق وعوز المسؤولية – المطلوبة لتحويل الجنود إلى جلادين. ويفتح المجال للقارئ ليقرر من الملام، هل هو العريف فردرك أم رؤساؤه.

فشل زمباردو في نقل قضيته إلى محاكمة فعلية. صدر حكم قاس على فردرك وهو يقضي الآن عقوبة ثمانين سنة في ليفنورث. حجة زمباردو تلاشت أمام حجة الادعاء التي ارتكزت أساسا على أن الأفراد مسؤولون على سلوكهم الشخصي وعليه فلا ينبغي لوم الجيش برمته بجريرة بضعة منحرفين.

هذا التركيز على القوة (أو الضعف) لدى الفرد هو في قلب الثقافة الأمريكية، مثلما يحاجج زمباردو. وهو يسعى إلى زعزعة هذا المعتقد في طبيعة الفرد، الذي يراه صدعا أساسيا وخطيرا. وهو في كتابه يقدم، كبديل عن النموذج الطبي للشر، نموذج الصحة العامة بغرض فهم القابلية لفعل الشر. وهذا النموذج، مثله مثل أي مقاربة في الصحة العامة لأي مرض، يركز على القوى الاجتماعية التي تنزع عنا إنسانيتنا.

يأخذ زمباردو مبادئ علم النفس التي تعلمها من عدة تجارب في علم النفس الاجتماعي عبر السنين – بما فيها تجربة السجن في ستانفورد – ويستخدمها في تصميم برنامج من عشر خطوات لمحاربة التأثيرات الاجتماعية الشائنة كتلك التي حدثت في أبو غريب. تخبرنا خلاصات العلم الاجتماعي أن الناس يصيرون سيئين باطراد خلال عملية مرهفة من تقسية الوجدان ونزع الجوانب الإنسانية. ويؤمن زمباردو بأنه يمكننا، بنفس الطريقة، بناء مرونتنا باطراد، والسير تدريجيا باتجاه الطيبة وتعزيز قابليتنا للبطولة [الشجاعة] بدلا من الشر. قسم كبير من كتاب “تأثير الشيطان” مكرس لتفصيل برنامج العشر خطوات هذا.

في نهاية الأمر، زمباردو شخص متفائل ويؤمن بالبطولة اليومية. المجسدون الكاملون للشر – الهتلريون والستالينيون – هم مثيرون بشكل مقلق، لكنهم نادرون، يقول. إنها “تفاهة الشر” – تجنيد الناس العاديين الطيبين ضد طبائعهم – هو ما يمثل الخطر المهلك.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق