اهم الاخباركتَـــــاب الموقع

شمس على نوافذ “الكُفر والخيانة”

حمزة جبودة

1

“أنت خائن وكافر، وإن شئت لستَ ليبيًا أصيلا، نحن بحثنا عن تاريخ عائلتك واكتشفنا أن أصولك لا علاقة لها بالهوية الليبية”. هذه الكلمات تتكاثر بشكل كبير، مع كل أزمة تعيشها ليبيا، وفي كُلّ مرةٍ نجدها قد طوّرت نفسها، وأضافت مفردات أخرى أكثر قساوة.

العنوان الذي اخترته، هو استعارة من كتاب أثار الجدل الواسع في ليبيا، “شمس على نوافذ مغلقة”، الذي فتح باب الحوار المُعلّب والجاهز للكتابة، لا للحوار العقلاني الذي يفتح آفاقا جديدة ويضع النقاط على الحروف وينتقد بشكلٍ واقعي، لا عاطفي.

وبمناسبة الحديث عن شمس على نوافذ مغلقة، سأعيد بعض التفاصيل التي شهدتها تلك الفترة، وما حدث فيها. لأنها تساعدنا أكثر على فهم أنفسنا، وما نحتاجه، أو نرغب فيه. من عارضوا الكتاب يومها، هُم أنفسهم اليوم أو البعض منهم، مختلفون حول ما تشهده المنطقة الغربية وما تشهده طرابلس ومحيطها.

الكُفر والخيانة.. الأولى صنعها الإسلام السياسي وتحديدا بعد صعوده في السنوات الأخيرة في المنطقة، وتُطلق الكلمة على من يُعارض فكرها وينادي بالدولة المدنية. أما المفردة الثانية، فهي صنيعة المؤسسة العسكرية وحُكمها في المنطقة طيلة عقود، وتُستخدم في أي لحظة، حين ترى أن تيارا أو طرفا يعارض سياستها على الأرض.

ولكنّ مع تزايد وتيرة الأحداث اليوم في ليبيا، انظمت فرِقًا أخرى في “لُعبة التخوين والكُفر”، وهي فِرق أكاديمية ومثقفة، صنعت لنفسها مكانةً إلى جانب الضباط وشيوخ الإسلام السياسي، وتحاول أن تصنع لنفسها مكانة. وتسعى لأن تقول إنها موجودة على سطح الأحداث، إلا أنها على أرض الواقع، غائبة تمامًا، مُكتفيةً بواجبها اليومي عبر صفحاتها على مواقع التواصل.

2

لكَ الحرية في اختيار من تراه مناسبا، ولكَ أيضا وسائلك في الدفاع عن أفكارك وتطلعاتك، بشرط ألا تجعل من نفسك “مُجرّد بوق” أو “حالة صوتية” ليس لها إلا أن تحاول لفت الأنظار، لعلّها تجد منصبًا أو مكانةً على الخارطة القادمة والتي لا يعرف أحد ملامحها. هذا أسوأ ما ستواجهه إن جلست وحدك، واستدعيت المراحل السابقة التي عاشتها ليبيا.

الحرب الدائرة في محيط العاصمة، لا تُمثّل المشهد الحقيقي لليبيا، بل لا تعتبر حربًا “مفاجأة” لأنها كانت مؤجلة لسنوات، أي منذ سيطرة “الثوار” على مفاصل الدولة، وتهميش مؤسساتها بطريقة عشوائية. أما المطالبات بوقفها هي في جوهرها مطالبات بتأجيلها، مطالبات بتقسيم الحصص بالتساوي بين المتصارعين، وهذا يجب أن نفهمه جيدًا. نحن نشهد مرحلة مفصلية في ليبيا، وما يحدث في هذه المرحلة، هُو أمرٌ طبيعي ولهُ أسبابه. أولها غياب الرؤية الحقيقية لإنهاء الفوضى طيلة السنوات الماضية، التي كانت عبارة عن سنوات “اللاسلم واللاحرب”.

القراءات الحقيقية تؤدي إلى نتائج حقيقية، والمعترف بأخطائه يُشكر ومن يقف في صفّ أحد الأطراف، هُو ليبيّ أولاً وأخيرا. ما أرغب في قوله بشكل صريح، هُو أن نتحلّى بالشجاعة وأن نحترم شرف الخصومة، أن نصمت حين يرتفع صوت أحدنا. وأن نترك حلبة المتصارعين، الذين دخلوا الماراثون وأصبحوا يُصنّفون الناس على أهوائهم.

3

بعض الأكادميين والمثقفين، حينما اختاروا موقفهم العام من الأحداث في ليبيا، فشلوا في إيجاد مفردة تليق بعالمهم وتُعبّر عنه، في مواجهة المؤسسة العسكرية والجماعات الإسلامية، فشلوا في تكوين رأيهم العام وتشكيل موقف مُوحّد يُلزم الأطراف الفاعلة على الالتفات لهم. وهذا الفشل يعود إلى تشتّت الرؤية والضياع المتجدد لديهم، في كل أزمة يجدون أنفسهم فيها. ولهذا اختاروا هاتين المفردتين “الكافر والخائن”، دون أن يكتبوها في أغلب أوقاتهم.

4

وبمناسبة الحديث عن ظاهرة الأصوات الافتراضية، علينا أن نقف احترامًا وتقديرا لمن شارك في كتاب “شمس على نوافذ مُغلقة” لأنهم كسروا جِدار الصمت وواجهوا وحدهم، مرحلة مأساوية. اقتحموا الجُدران التي لم يجرأ أحد من قبلهم على اقتحامها. علينا تقديم الشُّكر لهم، لأنهم حاولوا فتح النوافذ المُغلقة، لأجل الشمس والحياة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى