اخترنا لكمقالات مختارة

ديمقراطية الذباب

خالد القشطيني

نلاحظ أن في دنيا الحشرات أنواعاً مختلفة من السلوك، تماماً مثل البشر. فيها أيضاً القوي والضعيف. تتميز العقرب مثلاً بالديكتاتورية، فهي تلدغ كل من يقترب منها. والصرصور حشرة فاشية. إنها لا تجرؤ على دخول بيوت الأغنياء. أما البعوضة فهي الحشرة العنصرية، لأنها تعيش على دماء الشعوب الملونة وتترك الشعوب الآرية البيضاء. أما الحشرة الديمقراطية فهي الذبابة. يا عيني عليها لا تميز بين الفقير والغني، ولا بين القوي والضعيف. يستطيع طبعاً الأغنياء أن يتفادوا غاراتها بمنعها من دخول بيتهم. ولكنهم ما إن يخرجوا إلى حدائقهم حتى تكون الذبابة أول من يستقبلهم.
شهدت ذلك على التلفزيون عندما زارت الملكة إليزابيث منطقة أفريقية. سمع الذباب بمقدمها فقالت ذبابة لأخرى: «هل تعرفين يا حبيبتي ذبوبة، هذه ملكة الإنجليز، ربّوها منذ صغرها على ألا تضحك ولا تبكي ولا تشتكي ولا تظهر أي عواطف على وجهها». فقالت الأخرى: «هه! وحق رئيسنا القائد المنتصر حفظه الله، أنا سأجعلها تصبح إنسانة وتظهر عواطفها وتكرمش وجهها وتسد عينيها كما يفعل الآخرون». تراهنت الذبابتان على حبة سكر في أن تستطيع ذبوبة فعل ذلك بملكة بريطانيا والكومنولث. وبالفعل ما إن نزلت الملكة من اليخت الملكي «بريتانيا» حتى هجمت ذبوبة مطنطنة على محيا الملكة. ولأول مرة في التاريخ شهد ملايين الناس على شاشات التلفزيون حول العالم ملكة بريطانيا العظمى تكرمش وجهها، وتسد عينيها وتضرب الهواء بيديها كالمجنونة. وفازت ذبوبة بالرهان وجلست تلطع حبة السكر.
هذه واحدة من عشرات الحكايات التي تعبر عن ديمقراطية الذباب. ومنها حكاية قتّال الذبابة بالسيف. التي تروي حكاية قائد هندي ترك المعركة وراح يركض شاهراً سيفه وراء ذبابة عمت عينيه عن مشاهدة سير المعركة.
ومنها حكاية أمير اللواء في الجيش العراقي الذي ضاق ذرعاً بذبابة في معسكر الرشيد، فسحب مسدسه وراح يطلق عليها الرصاص كالمعتوه، فأصاب اثنين من ضباطه وبقيت الذبابة حية ترزق وتكركر عليه.
ولكن من أروع هذه الحكايات ما نقله المؤرخون العرب عن الخليفة المنصور. ظل الذباب يطارده أينما ذهب، عندما كان منشغلاً ببناء بغداد. أي حاكم عاقل يستطيع أن يستنتج أن هذا ليس بالمكان الصالح لبناء عاصمة حضارية. ولكن المنصور لبخله استمر بالبناء والذباب يطنطن في وجهه. حتى فقد أعصابه فنادى الحاجب وقال له: من على الباب؟ فأجابه: شلة من الشعراء. فقال الخليفة: قاتلهم الله. إنهم أسوأ من الذباب عندما يطنطن. قال: من غيرهم؟ قال: هناك يا مولاي مقاتل بن سليمان. قال: هذا رجل عالم فأدخله. فدخل ثم سأله الخليفة: أتعلم لأي حكمة خلق الله الذباب؟ فأجابه العالم وهو ينظر في وجه: «خلقهم الله تعالى يا مولاي ليذل بهم الجبابرة».
تقول الحكاية إن الخليفة قال له: صدقت. ثم أجازه وهو يكش الذباب عن وجهه.

_____________________

الشرق الأوسط

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق