كتَـــــاب الموقع

( جـمـعة.. نـسـخ لـصـق )

أنيس فوزي

ﻣﻨﺬ ﺯﻣﻦ ﻃﻮﻳﻞ ﻭﺟﻤﻊ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ ﻳﻨﺘﻈﺮ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ الجامع ﺧﻄﻴﺒﺎ ﻳﻤﺘﻠﻚ ﺍﻟﻤﻘﻮﻣﺎﺕ ﺍﻟﺒﻨّﺎءﺓ ﻟﺘﻘﺪﻳﻢ ﺍﻟﻨﺼﻴﺤﺔ ﻭﻃﺮﺡ ﺍﻟﺠﺪﻝ ﻭﺍﻹﻟﻤﺎﻡ ﺑﺠﻮﺍﻧﺒﻪ ﻭﺍﻟﺮﺩ ﻋﻠﻴﻪ، ﻭﺗﺮﻙ ﻣﺴﺎﺣﺔ ﻟﻠﺘﻔﻜﻴﺮ ﺣﻮﻟﻪ وإعطاء الحرية للمختلف عنه؛ ﺧﻄﻴﺒﺎ ﻳﻤﺘﻠﻚ ﺍﻷﺩﻭﺍﺕ ﺍﻟﻤﻌﺮﻓﻴﺔ ﻭﺍﻟﻔﻜﺮﻳﺔ غير المحدودة، ﺍﻟﻤﻔﺘﻮﺣﺔ ﻋﻠﻰ ﺛﻘﺎﻓﺎﺕ ﻋﺎﻟﻤﻴﺔ، الواعية ﺑﺤﺮﻛﺔ ﺍﻟﺤﺪﺍﺛﺔ ﻭﺍﻟﻤﻔﺎﻫﻴﻢ ﺍﻟﻤﺘﻄﻮﺭﺓ ﻟﻸﺧﻼﻕ ﻭﺍﻟﻘﻴﻢ. ﺧﻄﻴﺒﺎ مقنعًا في أدائه، واثقًا في طرحه، يشتغل في ﺍﻟﺘﻨﻈﻴﺮ ﺍﻟﻌﻠﻤﻲ ﻭالاجتماعي ﺍﻟﻤﺴﺘﻨﺪ على قواعد علمية صرفة.

ﺧﻄﻴﺒﺎ شجاعًا جريئًا، ﻳﺘﻤﺘﻊ ﺑﺎﻟﺤﺲ ﺍﻟﺠﻤﺎﻟﻲ ﺍﻟﻜﺎﻓﻲ ﻟﻴﻜﻮﻥ ﺇﻳﺠﺎﺑﻴﺎ ﻣﺘﻨﺎﻏﻤﺎ ﻣﻊ ﺍﻟﻤﻮﻗﻒ، ﻳﻘﻒ ﻋﻠﻰ ﻣﺴﺎﻓﺔ ﻭﺍﺣﺪﺓ من كل الأطراف، وبخطابٍ يتميّز ﺑﺎﻟﻮﺍﻗﻌﻴﺔ ﻭﺍﻟﻤﺮﻭﻧﺔ ﻭﺍﻟﻮﻋﻲ.

لكن ما حدثَ ويحدُث في جوامعنا اليوم، بالرغم من التقدم الرهيب الذي يشهده العالم في زمن العولمة والتكنولوجيا، مؤسف لدرجة أنهُ يقطع هذا الأمل، ويجعل هذا الحلم الجميل مستحيلاً. فالمساجد صارت مثل كراسي السياسة. وتحوّلت من مكان روحاني للعبادة إلى مكان للشحن والضغينة. كل يوم تعتلي منبرها جماعة، تُسقط من يخالفها، وتركب فوق الآمال، وتدوس فكرة التعايش كأنها جريمة.

ﻳﻘﻒ ﺍﻟﺨﻄﻴﺐ اليوم، ﻓﻲ ﻳﺪﻩ مطوية ﻣﻮﺟﻮﺩﺓ ﻓﻲ ﻛﻞ ﻣﻜﺎﻥ، ﻓﻴﻬﺎ ﺃﺣﺎﺩﻳﺚ ﻣﻦ ﻫﻨﺎ وآيات ﻣﻦ ﻫﻨﺎﻙ، ﻓﻲ ﻣﻮﺿﻮﻉ ﻗﺪﻳﻢ ﻳﺘﻌﻠﻖ ﺑﻔﺘﺮﺓ ﺯﻣﻨﻴﺔ ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﺗﺘﻜﺮﺭ ﻇﺮﻭﻓﻬﺎ ﺃﻭ ﺗﺘﺄﻗﻠﻢ ﻣﻊ ﺍﻟﻮﺍﻗﻊ، أو يقول الخطيب مرتجلاً، بصوتٍ عالٍ ومزعج، بطريقةٍ منفّرة وفظّة، اكرهوا هذا وأحبّوا ذاك.. “أطفئوا نور عقولكم واتبعونا”.

يوم الجمعة الماضية ويا للأسف. في بلادنا ليبيا، بلد عمر المختار وأحمد الشريف السنوسي وزاوية البيضاء والسرايا لحمرا ومكتبة الجغبوب، وحسن عريبي والصادق النيهوم وحمد سيف النصر وعبد الحميد العبار، بلاد الجميع بمختلف ألوانهم وعقائدهم وميولهم وفنونهم وجهادهم ونضالهم، نشهد “فضيحةً” سمّوها فضيلة، تذكّرنا بأفعال النازيين والفاشيين والحاكم بأمر الله، خطبة موحّدة معمّمة مكتوبة بقلم شخص واحد، برأس واحدة وعين واحدة وعقل واحد. مفادها التحذير من “كل” الفرق التي تخالف الجماعة المسيطرة على الأوقاف والإفتاء اليوم، تقطع الطريق أمام “الجميع” في مشهد مربكٍ ومرعب. وتحتكر الفضيلة وحدها، لا شريك لها فيها. وكأننا عُدنا بالزمن إلى حقبة القذافي والخطبة التي يعمّمها الأمن الداخلي على خطباء العقيد، لتجميل صورته، ونشر أفكاره وتحذير أعدائه، لكن هذه المرة أيّها الليبيين، سيكون العقاب ليس الطعن في الثوريّة وخسارة عباءة العقيد، بل الطعن الشخصي في المعتقد والشرف و”البيتيّة” ذاتها، وخسارة الجنة والسمعة للأبد.

المكان الذي من شأنه النصح والمحبة والإخاء، يتحوّل إلى المكان الذي تخرج منه الكراهية والحقد والتحريض. المنبر الذي يصل الناس ببعضهم، يتحوّل إلى المنبر الذي “عليه” أن يفرّق الناس، ويصنّفهم بين عوام وخواص، مبتدعين وصالحين، مؤمنين وكفرة. يا لهذه البلاهة!

في هذه الكوميديا السوداء، التي تُنتجها الخطب العصماء البالية الهشّة، الأضعف من الاختلاف، والأصغر من الفكرة، والأقل من الكلمة. وفي هذه المسرحية الهزيلة، يتحوّل السنوسيين الصوفيين الفضلاء إلى مبتدعين، إبتداءً من سيدي محمد بن علي السنوسي، وإنتهاءً بأصغر طالب علم في الزاوية القديمة. يتحوّل عمر المختار ورفاقه من قوميين وأبطال إلى مبتدعين وضلاّل .. يا لسخرية القدر!

ﺍﻟﻤﺸﻜﻠﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻮاجهنا اليوم، ﺭجل الدين – ﺣﻴﻦ ﻳﻌﺘﺒﺮ ﻧﻔﺴﻪ كذلك – وهو ﻳﺘﺼﺮف كأنه عرف سر الحياة وانتهى من البحث عن الحقيقة ﺍﻟﺘﻲ ﻋﻠﻴﻚ ﺃﻥ ﻻ ﺗﺨﺎﻟﻔﻪ ﻓﻴﻬﺎ، ويريد أن يملي عليك ــ غصبًا ــ قناعته وفكره. بينما تقول الحقيقة؛ إن من يريد إيقاف عقلك عن البحث، ما هو إلاّ شخص خائف من عثورك على حقيقة تناقض ما توصل إليه، وما لا يستطيع التخلي عنه. شخص مذعور يعرف أنه خاسر لا محالة، وأنه لا يمثّل قضية عادلة ومشتركة، بل قضية شخصية وإقصائية. وهذا بالتأكيد يناقض تماما القيم الإنسانية التي يدّعون أنهم يمثلونها، فقط لأنهم يظهرون بطريقة لباس معيّن وشكل وجوهٍ معيّن، ولهجات حجازية ونجديّة مستوردة، تُظهر كمّ الانصهار المُهين في ثقافة الأغيار، وعدم احترام الهوية الليبية ولهجتها الأصيلة، والاستخفاف بالناس واعتبارهم بهائما تُقاد بالعصي وتُساس بكلام المطويّات القادم من التاريخ البعيد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خاص 218

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق