اهم الاخباركتَـــــاب الموقع

جغرافيا الأحلام

عمر أبو القاسم الككلي

لم أعهد، في حياتي الواعية، تعلقا وجدانيا بالأمكنة. فلقد عشت في أمكنة متنوعة بين الريف والجبل والمدينة، وآوتني مساكن متنوعة من الخيمة والكوخ إلى الداموس (الكهف) والبيت الحجري، ولم أتعلق بها أو يحز في نفسي هجرها، ولا ينبثق داخلي حنين قوي إليها.
لكن ثمة وجه آخر، أو بالأحرى، وجه دفين، لهذه العلاقة التي تبدو، على سطح الوعي، فاترة جدا. ذلك أن هذه الأمكنة تظهر في أحلامي كثيرا!. وكأن لاوعيي (عقلي الباطن) يكذب وعيي (عقلي الظاهر)، أي يكذبني أنا شخصيا، ويفضح ادعائي ومكابرتي. كأن عقلي الواعي كان، لسبب غير واضح لي، يقمع الوجه الآخر له (عقلي الباطن) الذي ينفلت عند نوم عقلي الواعي وتعطل أجهزته المختصة بالرصد والمراقبة والضبط.
الأمر محير فعلا، فالحنين إلى الأمكنة التي عاش فيها المرء فترات طويلة ليس من “التابوهات” المعروفة التي يقمعها الأنا الأعلى.

لكن هذه مسألة متروك شأنها للمحللين النفسانيين.

المهم، أنني كثيرا ما أزور هذه الأمكنة في أحلامي. الغريب أنني حين أزور مسقط رأسي في الحلم لا يظهر لي الكوخ الذي ولدت وعشت فيه، أو الخيمة التي عشت فيها فترات متقطعة ومحدودة (غالبا في الصيف)، وإنما تظهر لي الأمكنة المحيطة به، وحتى البعيدة نسبيا، وأظل أتجول فيها بمفردي. في هذه الأحلام لا يوجد بشر سواي.
هذه الحالة تنطبق على الأحلام التي أزور فيها المزرعة التي عشت فيها مدة تنيف عن السنتين والتي تحولت منذ عقود إلى حي سكني. أظل، في هذه الزيارات الحلمية، أتجول في أنحاء المزرعة، وحتى في ما حولها، دون أن أدخل السكن، الذي هو أقرب إلى الكوخ.
الأمر مختلف مع المنازل التقليدية. فهذه أتجول فيها، وأحيانا يكون معي أشخاص آخرون، وتكون بها بعض التعديلات على الوضع الذي أتذكرها عليه. لكن دائما تكون بها مكتبة كبيرة، حتى في البيت الذي سكنته وأنا في السنتين الأوليين من التعليم الابتدائي حيث، بالطبع، لم تكن لديَّ كتب. وتكون مشكلتي في الحلم أنني أرغب في نقل المكتبة ولا أعرف كيف.
هناك ظاهرة أخرى أكثر غرابة. وهي أنني كثيرا ما أحلم أنني في أماكن، بعضها في بلدان أخرى، لم أزرها في حياتي، لكنها تتكرر في أحلامي بنفس الحالة وكأنها أمكنة في جغرافيا الواقع سبق لي أن عشت فيها فعلا.
أما الأحلام شبه الكابوسية المتعلقة بالأمكنة، والتي أخذت تعاودني مؤخرا، هي الحلم بأنني في بلد أجنبي وأغادر مكان إقامتي إلى مكان آخر بعيد، وفجأة أكتشف أنني لا أحفظ عنوان الإقامة ولا أعرف بمن أتصل وهاتفي معطل وليس بحوزتي نقود!.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة