خاص 218كتَـــــاب الموقع

جديد العلم في ليبيا: عملية إزالة رحم رجل

سالم العوكلي

“كشفت وزير الصحة الأسبق، فاطمة الحمروش، عن ملفات فساد وتلاعب في ملفات الجرحى، وصلت إلى حد وضع مبالغ مهولة لعمل عملية إزالة رحم من أحد الجرحى.”.

هذا ما استهلت به السيدة حنان سليم مقالتها بموقع المتوسط بتاريخ 7 أغسطس 2018. المقالة تحت عنوان طويل يليق بطول رقبة الفساد: “الحمروش تكشف: اسم المقريف كان في قوائم الجرحى.. ووصلتني فاتورة لعملية إزالة رحم من جريح”.

للقارئ الكريم، هذا ليس مشهدا من مسرح اللامعقول، ولا طفرة ناتجة عن التلاعب الجيني في مستقبل الخيال العلمي، ولا إحدى شطحات الأدب النسوي المستفَز، ولا هي خرافة صاغتها قريحة جدة في حضرة أحفادها في ليلة شتائية طويلة، لكنها واقعة موثقة في ليبيا، تعكس حقيقة أن الفساد عندما يكون غبيا تزداد وطأته، أو أن الفساد حين يكون سلطة يسخر منا.

جرح في ذاكرتنا سيظل نازفا ملف الجرحى الذي استغله الفاسدون لملء خزائنهم، بينما الجرحى الحقيقيون ظلوا يترددون بعكازاتهم على مستوصفات مدنهم التي لا تملك حتى الشاش أو مسكنات الألم.

تذكر الكاتبة نقلا عن منشور في صفحة د. فاطمة الحمروش، وزيرة الصحة السابقة، أنها قالت في قصتها الأولى ضمن قصصها التي عايشتها أثناء فترة تقلدها للمنصب: “أنني وجدت ضمن القوائم الجديدة التي كانت معدّة للعلاج في تركيا، لفت انتباهي أن القائمة كان التسلسل فيها بالحروف الأبجدية، فقمت بقراءة الأسماء، فلاحظت أن أحد هذه الأسماء كان رئيس المؤتمر العام السابق، محمد يوسف المقريف!!، وسألت رئيس اللجنة الذي قدمها لي: كيف هذا؟، مبينة أنه اتضح أن القوائم كانت تؤخذ من دليل هواتف قديم!!!!!!!.”

فهل تكفي يا سيدة فاطمة 6 علامات تعجب خلف هذه القصة؟ ورغم أني أدرك أنها صادقة ومعقولة في بلد يحكمها الأوباش، فتصديقها صعب على من ليس له مخيلة واسعة في مستوى خيال الفاسدين وهم يمارسون فسادهم بغباء، أو باستهتار بكل أجهزة الرقابة النائمة في العسل؛ وأعذرها، كيف تصحو وأمام أبواب وخلف نوافذ مقراتهم ميليشيات مسلحة تسيطر على عاصمة القرار والرقابة وملفات الجرحى، يحرس مسلحوها قلعة الفساد التي تديرها كل المؤسسات السيادية، من البنك المركزي إلى هيأة مكافحة الفساد إلى مفتي الديار.

ويظل ملف الجرحى جرحا غائرا في خاصرة هذا الوطن الخارج من حقبة من الجراح عاشها لعقود في أسوأ مكان للخدمات الصحية، وفي بقعة من العالم مات فيها الضمير دون أن يبكي عليه أحد أو يؤبنه بما يليق به.

تواصل حنان مرثية الضمير المؤلمة في عرضها منشور د. فاطمة ؛التي في خضم هذا الفساد المحمي بالسلاح كانت لا تملك إلا أن تكتب حكاياتها ويومياتها من أجل محكمة التاريخ التي تمهل ولا تهمل: “وأكملت الحمروش، ”للأسف عندما قال لي سآخذها معي للتحقيق، اختفت ولا توجد لدي نسخة منها، ولكني شاهد أمام الله والقانون، ولا يزال المتورطين في هذا أحياء”.

فيما قالت الحمروش إن القصة الثانية اكتشفتها بعد أن فتحت باب التحقيق والتدقيق في العلاج بالخارج، اشترطت عدم تسديد أي فاتورة قبل مراجعتها، فبدأت السفارات الليبية ترسل للوزارة قوائم الجرحى الذين لم يتم سداد مصاريف علاجهم مع التشخيص والمبلغ المطلوب سداده، فوجدت إحدى الحالات في قوائم تونس كانت لمبلغ مُلفتٍ لارتفاعه، وحين قرأت سبب الفاتورة، لم أصدِّق عيناي: المبلغ المطلوب كان لعملية إزالة رحم من أحد الجرحى!!!!!.

وأردفت “تبين بعد التحقيق أن الفواتير كانت وهمية، فقد كان المسؤول عن تقديم الفواتير لوزارة المالية من السفارة، يختار من قوائم العلاج الموجودة في تونس، العمليات الأغلى ليقدمها للسداد، ولأنها كانت بالفرنسية، فلم تكن لديه دراية بأن تلك العملية كانت لإزالة رحم!!!.

وأشارت الحمروش، إلى أنه لا يجب أن ننسى أيضاً الأعداد المهولة لعمليات التجميل كَزَرْع الشعر لأشباه الرجال، وشفط الدهون، وتكبير الصدور للفاسدات، إضافة لمُنَح الأُسر المرافقة لهؤلاء إقامة في فنادق خمس نجوم على حساب الهيئة!!!!!).” انتهى كلام حنان ولكن لم تنته المأساة ، بل أن الفساد تضاعف في المقرات السيادية في العاصمة (وهذا لا يعني أن الفساد غير منتشر في باقي أقاليم البلاد) لكن لأن البنك المركزي في طرابلس، ولأن إيراد النفط يحال إليه، ولأن التواقيع المخولة بصرف المليارات والملايين بجانب المركز) فالمستعدون للفساد في كل بلديات ليبيا لم يجدوا إلا الفتات، وبعضهم أضطر راغبا للنزوح إلى حيث جمهورية المال السايب.

هذه هي إرهاصات الدولة المدنية منذ بداياتها التي يتشدق الآن بها الخائفون من ضياع الغنيمة، والتقارير الحالية الصادرة عن بعثة الأمم المتحدة تؤكد أن الفساد في تلك الفترة (فترة الكيب) لا يقاس بأي شكل من الأشكال مع الفساد الحالي في حكومة الوفاق المعترف بها دوليا، حيث تضاعف دخل النفط وتضاعفت أعداد الميليشيات ومنتسبيها وتضاعف موت الضمائر أكثر من المقابر الجماعية في هذا الوطن، واستمرت الحروب، ومن يحب الحروب أكثر من حفاري القبور وبائعي الأكفان والقائمين على ملفات الجرحى؟! . وأصبح الأمر يحتاج إلى مليون علامة تعجب خلف كل قصة من قصص فترة حكومة الوفاق ، والفارق أنه لا يوجد وزير أو مسؤول بشجاعة فاطمة الحمروش قادر على أن يكتب القصص كما حدثت ويتحمل مسؤوليتها “أمام الله والقانون”.

فكفى تشدقا بالدولة المدنية لأننا سنخرج في النهاية بدولة (مَدينةٍ) نسبة إلى الديون، دولة فاشلة ولكنها مدنية كما يردد حراس الفساد الوالغين في لحم هذا الوطن وهو مازال حيا.

“ومازال المتورطون في هذا أحياء”، وربما الميزة الوحيدة في استئصالهم لأرحامهم أن لا يتركوا سلالة من الفاسدين.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى