اقتصاد

تقلّص الاستثمار الصيني في الغرب.. بين المخاوف والطموحات

ترجمة خاصة

نشرت مجلة فورين بوليسي FOREIGN POLICY الأميركية تقريرا حول الاستثمارات الصينية في الغرب جاء فيه:

سجلت الاستثمارات الصينية في الولايات المتحدة وأوروبا انخفاضا حادا في عام 2018 بعد عامين عصيبين، مع سعي بكين للسيطرة على تدفقات رأس المال، ومع حالة الريبة لدى الاقتصادات المتقدمة التي تنمو بشكل أكبر من النفوذ الاقتصادي المتنامي للصين.

وفي العام الماضي، استثمرت الشركات الصينية 30 مليار دولار فقط في الولايات المتحدة وكندا وأوروبا، وهو انخفاض حاد من 111 مليار دولار استثمرت في عام 2017 و 94 مليار دولار في عام 2016، وفقا لأبحاث جديدة من شركة بيكر ماكنزي للمحاماة ومجموعة روديوم.

وكان الانخفاض حاداً بشكل خاص في الولايات المتحدة، التي دخلت في حرب تجارية مع بكين، والتي تشدد القيود على الاستثمار الصيني. وانخفضت التدفقات من نحو 45 مليار دولار قبل عامين إلى 5 مليارات دولار فقط في عام 2018. وعلى مدار العام، باعت الشركات الصينية أصولا بقيمة 13 مليار دولار في أمريكا الشمالية.

يعتقد رود هانتر، وهو شريك في مؤسسة بيكر ماكنزي، أنّ التدقيق الصارم على الاستثمارات الصينية من قبل المسؤولين الأمريكيين ينتج ما يصفه برد فعل مبالغ فيه في السوق، حيث يبتعد المستثمرون عن الصفقات التي قد تعتبر حساسة من الناحية السياسية.

وفي خضم حرب تجارية بين واشنطن وبكين، وإدخال إصلاحات على أنظمة الاستثمار الأمريكية تهدف إلى وقف هروب التكنولوجيا الأمريكية المتطورة، وتباطؤ الاقتصاد الصيني، ينظر المستثمرون في بكين والشركات متعددة الجنسيات إلى صفقات في الشركات الأوروبية والأمريكية بشكوك متعاظمة.

ويقول هانتر: “إذا كنت تجلس في مكتب في شنغهاي، أو سيول، أوطوكيو، أو ميونيخ، فمن الصعب فك كل تلك التعقيدات”، وقد أشرف هانتر خلال إدارة جورج دبليو بوش على لجنة الاستثمار الأجنبي، وهي الهيئة الأمريكية التي تدرس الاستثمارات من قبل الشركات الأجنبية في الصناعات الأمريكية الحساسة.

إن انخفاض الاستثمار الصيني جدير بالملاحظة لأن الشركات الصينية توسعت بقوة في السنوات الأخيرة، حيث أنفقت مليارات الدولارات لشراء حصص في شركات غربية راسخة أو بدء أعمال تجارية جديدة.

وقد عززت الاستثمارات الصينية بعض القطاعات، مثل الموانئ الأوروبية، في حين أن ما يقرب من 140 ألف وظيفة في الولايات المتحدة تقدمها الشركات الصينية مباشرة، وفق تقدير مؤسسة الروديوم خلال العام الماضي.

هذا الانهيار في الاستثمار الأجنبي الصيني له محركان رئيسيان. أولاً ، ما يزال صانعو السياسة في بكين يحاولون التقليل من تدفقات رأس المال خارج البلاد كما تحاول الشركات الصينية المثقلة بالديون أن تعمل على تنظيف ميزانياتها بدلاً من التوسع. وهذا ما يفسر موجة مبيعات الأصول الصينية العام الماضي و20 مليار دولار أخرى من الاستثمارات المعلقة لهذا العام في الولايات المتحدة.

كما أن سيل الاستثمارات الصينية في أمريكا الشمالية هذا العام هو أيضا شبه فارغ، مع وجود استثمارات محتملة أقل من 5 مليارات دولار على الطاولة ، كما يقول بيكر ماكنزي.

وفي الوقت نفسه، تقوم كل من الولايات المتحدة وأوروبا بمضاعفة عملية التدقيق على الاستثمارات الصينية، حيث تشعران بالقلق من أن بكين تستطيع الحصول على تقنيات حساسة أو التحكم في البنية التحتية الحيوية، مثل الموانئ ومحطات الطاقة وشبكات الكهرباء.

وشددت إدارة ترامب عملية المراجعة للاستثمارات الأجنبية، ما أدى إلى إلغاء أكثر من 12 عملية استحواذ مخططة وتخويف شركات صينية سعت إلى القيام بأعمال تجارية في الولايات المتحدة في العام الماضي. وانزعج المسؤولون الحكوميون، وخاصة وزارة الدفاع، لأن الشركات الصينية، سواء كانت مملوكة للدولة أو لها صلات بالحزب الشيوعي الصيني، قد ضخت أموالاً في تكنولوجيات متقدمة مثل الذكاء الاصطناعي والطائرات بدون طيار.

ويوسّع التشريع الذي وقعه الرئيس دونالد ترامب في العام الماضي أنواع الصفقات التي يمكن للهيئات التنظيمية الأمريكية منعها، ويسمح للولايات المتحدة بدراسة الصفقات التي تشمل مجموعة واسعة من التقنيات الحساسة.

وبالمثل، في أوروبا، حيث انخفض الاستثمار الصيني في 2018 إلى 22.5 مليار دولار من 80 مليار دولار في العام السابق، فإن العديد من الدول تعزز التدقيق الذي تقدمه للصفقات التي تشمل الشركات الصينية. وعلى سبيل المثال استحوذت الشركات الكبيرة مثل China Ocean Shipping Company على الموانئ في جميع أنحاء حافة أوروبا، في حين تضع شرطة Three Gorges الصينية اللمسات الأخيرة للاستيلاء على شبكة الكهرباء البرتغالية.

العديد من الاقتصادات الأوروبية الكبرى، بما في ذلك ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة، شددت بالفعل القيود، وهناك 16 أخرى تخطط للقيام بذلك هذا العام. كما يسعى الاتحاد الأوروبي ككل إلى إدخال ما يسمى آلية الفحص لتنظيم تدفقات الأموال الصينية.

ومع استعداد العديد من الاقتصادات المتقدمة لإجراء استثمارات كبيرة في تكنولوجيا الاتصالات من الجيل التالي، يدرس المنظمون الأوروبيون حظر شركة الاتصالات الصينية العملاقة “هواوي” من شبكاتها، وهو اقتراح يسبب التوتر بين بكين والعواصم الأوروبية.

على المدى القصير، من المرجّح أن تؤثر قيود الولايات المتحدة أكثر من الجهود الأوروبية للتحكم في الاستثمار الصيني. وهذا يعني أن الشركات الصينية يمكن أن تتجه نحو أوروبا أكثر مما كانت عليه في السنوات الأخيرة، كما يقول فرانس بول فان دير بوتين، خبير الشؤون الصينية في المعهد الهولندي للعلاقات الدولية. “في حين أن الدخول إلى أوروبا يزداد صعوبة بشكل تدريجي ، فإن العملية نفسها تحدث في الولايات المتحدة، لكن بشكل أسرع وعلى مستوى أوسع. وبالنسبة للاستثمار الأجنبي المباشر الصيني الذي يسعى إلى التكنولوجيا المتقدمة بشكل خاص ، قد تصبح أوروبا أكثر جاذبية كوجهة محتملة، مقارنة مع الولايات المتحدة، على الرغم من الإطار الجديد لفحص وتدقيق الاستثمار في الاتحاد الأوروبي.

وأشار بيكر ماكينزي إلى 20 مليار دولار في المعاملات الصينية المعلقة في أوروبا، مما يؤكد على جاذبية القارة التي لا تزال تملكها الشركات الصينية الخاصة والشركات المملوكة للدولة.

بالنسبة للاقتصاديات الأوروبية، يمكن للاستثمارات الصينية أن تجلب تدفقات هائلة من النقد في معاملات فردية. ففي عام 2017 ، نشأ جزء كبير من الاستثمار الصيني في أوروبا من استحواذ Chem China على 43 مليار دولار أمريكي لشركة الهندسة العملاقة syngenta. واستمر المستثمرون الصينيون في الاستثمار في العديد من البلدان. حيث شهدت كل من فرنسا وألمانيا وإسبانيا والسويد زيادة الاستثمارات الصينية في عام 2018.

ولكن في ضوء المخاوف المتزايدة من أن النموذج الاقتصادي الصيني الذي تقوده الدولة يمكن أن يؤدي إلى تآكل المزايا الأوروبية في القطاعات الإستراتيجية – فقد تم حث ألمانيا على وجه الخصوص بسبب عمليات استحواذ صينية بارزة في السنوات الأخيرة – يتوقع فان دير بوتين أن تبدأ الصين بمواجهة مناخ استثماري أكثر قسوة في أوروبا.

وقال: “قد تتعرض الاستثمارات الصينية المباشرة في التكنولوجيا والبنية التحتية الأوروبية لضغط سياسي أكبر في السنوات المقبلة”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق