اخترنا لككتَـــــاب الموقع

بهرب ملّي شاريني وادوّر علّي بايعني

سالم العوكلي

( أوقفوا شراء أصدقاء في الخارج ). تبدو هذه العبارة ـ التي تفوه بها السيناتور الأمريكي رون بول ـ و التي وضعها الكاتب، مروان العياصرة ــ في مقالته “أوقفوا شراء الأصدقاء” المنشورة بموقع 218 بتاريخ 3 ديسمبر 2017 ـــ بين قوسين، مستفزة في ظاهرها لمن يؤمنون بالصداقة كقيمة مطلقة بعيدة عن المصالح.

لكن اللغة ليست نمطا واحدا ، والمصطلحات تكتسب أخلاقية السياق الذي ترد فيه، وفي حقل السياسة تتفجر لغة، مرسلاتها مختلفة، حتى وإن كانت تستخدم مفردات ترد في رسائل الحب بين المراهقين .

الصداقة في السياسة أو في صراع الأمم مصطلح رياضي بامتياز، ناتج عن حسابات ومعادلات وإحصاءات ودراسات للجدوى.

الصداقة في هذا السياق، والتي غالبا ما يعبر عنها بمصطلح “الشراكة” اصطلاح براغماتي وليس عاطفيا، يتحول إلى مؤسسة تدار مثلما تدار أية شركة أو سوق مال، ترسم لها الشروط والجدوى والمدى الربحي، مثلما ترسم لها شروط توقفها في أي وقت. الشراكة من الممكن أن تُفض في أي وقت حين لا تلبي مصالح أطرافها ودون زعل.

من جانب آخر ، العداء مؤسسة أيضا تدار بحنكة لها مراكز بحوثها ومخططوها وسيناريوهاتها المستقبلية المكتوبة تحت عنوان “إدارة العداء” ، ولعل الصراع الأمريكي الصيني النموذج الأكبر لمفهوم إدارة العداء، للدرجة التي قد يوحي بها التعاون الظاهر بين هاتين الأمتين بأن صداقة متينة ومصير مشترك يربطهما. بينما طقوس العداء تدار بحنكة في مختبرات العلاقات الدولية.

قد يعتقد البعض أن أمريكا صديقة إسرائيل، لكن الفكر المؤسس للكيان الصهيوني لا يؤمن في الحقيقة بهذه العواطف الحميمية في عالم السياسة. لذلك عمل اللوبي الصهيوني في أمريكا، ومنذ قرون ـ على صناعة هذا النوع من الصداقة الاضطرارية عبر التحكم في مفاصل القرار وفي مؤسسات صناعة الرأي العام وفي سوق المال.

خروج البعبع الإيراني في المنطقة يفرض صداقة قسرية على دول المنطقة مع أمريكا كقوة وحيدة يمكنها أن تحميها من مطامع التوسع الفارسي، وأدبيات هذه القوى تستخدم الصداقة كعنوان لعلاقة مصالح لا تتعلق فقط بالاقتصاد ولكن بمسألة الوجدان نفسها .

منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية وأنظمة العرب تسبح في بحيرة من الغزل المتبادل في ما بينها ومن قاموس رسائل الحب، لكن كل هذا لم يستطع أن يخفي هذا العداء المكبوت بين هذه الأنظمة التي كثيرا ما تكون مؤتمرات قمتها فاضحة لهذا المكبوت. وبالتالي فهي أنظمة سياسية تحركها العواطف لا تجيد إدارة الصداقة مثلما لا تعرف أبجديات إدارة العداء ، وفي المجمل لا تعرف فن إدارة المصالح ، بل تضع هذا الفن في دائرة نظرية المؤامرة وتكتفي بتمثيل دور الضحية في هذه النظرية .

المصالح مرتكز أساسي في كل العلاقات التي تتم فوق الأرض مهما أحطنا هذه العلاقات بقاموس وجداني أو مجازات شعرية أو قيم مثالية مطلقة، فنحن حين نقدم هدية لشخص نسعى لصداقته نطلق عليها “عربون صداقة” و(عربون) مصطلح تجاري بامتياز . أما مفردات البيع والشراء فتستخدم كثيرا في الشعر الشعبي والأغنية العربية كتعبير عن عواطف الصداقة ولواعج الحب، مثل: “يا صاحبي ليه بعتني وانا شاريك غالي ..عمري ما كنت رخيص بمبدئي غالي” أو “إن كنت بايع أنا شاريك” التي تفتح مزادا للعواطف في قلب موسيقا الرومانسية العربية.

في حديث مع صديق قلت له: إن كل العلاقات على الأرض تحكمها مصالح. فقال لي: إلا الصداقة والحب. فسألته بعد فترة قصيرة تحدثنا فيها عن أشياء أخرى . ما الذي يعجيك في شخص تقرر أن تختاره صديقا . فقال لي : أن يكون كريما، مثقفا، خفيف الظل ، ذا مروءة، يحفظ السر .. إلخ . فقلت له كل هذه مقومات تكمن وراءها مصالح.

نعم يتشكل مع هذه العلاقة؛ التي تطلبت شروطا مصلحية في البداية، نوع من الألفة والذكريات والأسرار المشتركة، ويجعلها دائمة ومشحونة بعواطف جياشة، لكن قد تتوقف هذه الصداقة العميقة بمجرد الإخلال بأحد شروطها الضمنية والتي غالبا ما تكون غير معلنة.

أيضا يشترط الرجل مميزات لشريكة حياته وتشترط المرأة أيضا ، ولو تمعنا في هذه الأشتراط لوجدنا المصالح تختفي خلفها، وغالبا حين تُسأل فتاة عن مقومات زوج المستقبل ستكون أول هذه المقومات (الكرم) . واشتراط الكرم في الصديق أو الشريك يضمر في المقابل صفة أخرى مسكوت عنها وهي الطمع .

هذا ما يحدث في الحياة الاجتماعية اليومية، ما بالنا بعالم السياسة الذي له منظومته الأخلاقية المختلفة. وفي عالم السياسة لا يمكن أن تكسب المعارك إلا بفن إدارة الصداقة وفن إدارة العداء.

تهاطل الساسة العرب على ترامب ، الظاهرة، ومارسوا كل مراسم الصداقة مع رجل الأعمال والصفقات الذي تشكل الصداقة في مفهومه حسابا مصرفيا أو سهما في شركة، بينما زاره نتنياهو مرة واحدة دون استخدام أي قاموس عاطفي لتلك الزيارة، والنتيجة المفاجئة لمن اعتقدوا أنهم بنوا جسور الصداقة مع الإدارة الأمريكية الجديدة هو الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية إليها، تفاجأوا لأنهم لم يترجموا هذه الصداقة المتوهمة إلى أسهم رابحة، ولم يترجموا أرصدة المليارات المتكدسة في بنوك أميريكا إلى لوبي ضاغط على مراكز صناعة القرار.

كل بيانات الإدانة والاستنكار العربية ينبع إنشاؤها من حالة الصدمة التي تعرض لها الصديق من صديقه، بينما الطرف الآخر لا وجود في قاموسه لمفهوم الصداقة النمطي ولا يعرف ماذا تعني الصدمة. بل هو يدرك أنه لن يفقد أصدقاءه في المنطقة لأن شروط هذه الصداقة القسرية ستظل قائمة لردح من الزمن، بالنسبة لهم مادام معظم العرب لاهين في إنقاذ عواصمهم المختطفة في حروب “الأخوة الأعداء” ، فلا شيء يمنع من إعلان القدس عاصمة للكيان الصهيوني (داعش الحداثة) في هذا التوقيت المهم.

نعم شراء وبيع الأصدقاء حقيقة تاريخية في بازار السياسة، وبالنسبة لهذه القوى حقيقة معلنة، بل أنها دوريا تفتح مزاداتها علنا، فتُهرع إليها مواكب الأنظمة المذعورة محملة بالهدايا التي تسمى “عربون صداقة” وبمعاهدات الطاعة التي توقع تحت عنوان “التعاون المشترك”.

يتساءل العياصرة بحرقة: لا أعرف إذا كنا سألنا أنفسنا إن كانت أميركا أو الغرب عموما ما زال ضالعاً في شراء الأصدقاء على الوجه الذي تريده، وبالشكل الذي يناسبها، هل تشتري أصدقاءها أم تكسبهم، أم أنها تستدرجهم لصفها أم تتمكن بفعل جاذبيتها الحداثوية من التهامهم في مدارها ..

أسئلة بالنسبة لنا، لكنها أجوبة معلنة بالنسبة لهم . وأميركا تشتري أصدقاءها، ليس لتكسبهم، ولكن لتكسب من ورائهم ما يحقق مصالح مرحلة ، وبمجرد أن تنتهي شروط نشأتها تنتهي، أو في أفضل الأحوال تتقلص إلى حدودها الدنيا ويحتفظ بها في إفريز السياسة الخارجية ليعاد إنتاجها إذا ما تطلبت ذلك متغيرات جديدة.

في المحصلة، بالنسبة لهذا العقل البراغماتي: عدو قوي أفضل من صديق ضعيف، وعداء أصيل أكثر احتراماً من صداقة مزيفة.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة