اهم الاخباركتَـــــاب الموقع

بغداد وطرابلس.. بعد جغرافي وتجربة مماثلة (6)

حيدر حسين علي

من ركام بغداد ودروسها وعبرها عسى أن تنهض طرابلس وتتعض، نعم فما تمر به ليبيا من سيناريو مشابه للسيناريو الذي مر ولا يزال يمر به العراق، فالليبيون في نفق مظلم مجاور لنفق نظرائهم العراقيين رغم بعد المسافة الجغرافية بين البلدين إذ لم يكن كلا السيناريوهين متطابقين بالمرة.

ونستمر في هذه الحلقات البسيطة غير الغزيرة بالإحصائيات أو التواريخ المعقدة على القارئ والمعتمدة على الذاكرة، ونقارن بين الحالتين ونقترح الحلول التي كان يجب أن تقدم للحيلولة دون تفاقم الأوضاع.

الحلقة السادسة

فقر وبطالة وضعف أجور .. هموم ليبيا والعراق

لسنا خبراء في الاقتصاد لنضع الخطط بناء على النظريات الاقتصادية أو من هواة اللجوء إلى إجراءات صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي ولكننا في هذه الحلقة سنقدم حلولا آنية لمشاكل الفقر والبطالة وضعف الأجور إلى حين تمكن هؤلاء الخبراء من وضع الحلول الدائمة لهذه المشاكل.

ولن نستغرق طويلا في الحديث عن هذه الهموم الـ3 لأن الليبيين ومن قبلهم العراقيين يعرفونها جيدا وسنمضي بالشرح والمعالجة، ولتكن البداية من الفقر الذي قال فيه الإمام علي كرم الله وجهه: “لو كان الفقر رجلا لقتلته” وهو من أمراض العصر وكل عصر، ومرده في ليبيا والعراق لأسباب عدة منها فقدان الأسر لمعيليها بسبب الحروب أو حالات الطلاق لأسباب اقتصادية أو حالات أخرى، ويمكن الاستعانة بالنموذج الخليجي الذي يكفل تطبيقه القانون الإنساني والدساتير من خلال صرف معاشات للأسر الفاقدة لمعيلها بشكل يتلاءم مع سعر السوق وليس كما يجري الآن مبالغ مالية مقطوعة لا ولن تكفي.

وشرائح الفقراء معروفة، الأرامل والأيتام والمعاقين جسديا وعقليا وكبار السن ممن لا يملكون تقاعدا من الدول وتلاميذ طلبة المدارس والجامعات والدراسات العليا من الأسر المتعففة، والخريجين الجامعيين ومن لم يتوفقوا في حياتهم الدراسية والمهنية ولم ينالوا فرص عمل ثابتة بأجور مجزية.

والحل لجميع هؤلاء يكمن في تشكيل المجلس الأعلى لمحاربة الفقر الذي سيحارب خلال الأعوام الـ5 الأولى من عمره الفقر ويقضي عليه ويبقى للأعوام التي تلي هذه الأعوام مشرفا على ضمان عدم عودة الفقر إلى المجتمع.

ويتألف المجلس من أقسام بعدد الشرائح التي تم ذكرها وهي قسم إعانة الأرامل ويقوم بمهام إجراء حصر دقيق بكافة الأرامل ويتم تقسيمهن إلى فئتين الفئة الأولى لمن في سن الزواج من 20 إلى 40 سنة، والفئة الثانية لمن في عمر لا يسمح لهن بالزواج أو بحاجة إلى أزواج من حالات خاصة ودقيقة ليتم استدعاء الفئة الأولى ودراسة كل حالة على حدة وتشجيع الشباب من العازبين على فكرة الارتباط بامرأة أرملة من خلال منحهم امتيازات مالية ضخمة شريطة عدم الطلاق، فضلا عن السعي إلى تزويجهن برجال طلقوا نسائهم أو لم يعودوا متزوجين بسبب وفاة نسائهم ومحاولة التركيز على النساء بعد سن الـ40 لتزويجهن برجال من الفئات المذكورة لضمان تأسيس أسر جديدة يعين فيها الرجل المرأة وتعين الأخيرة الأول على قضاء ما تبقى من العمر بعيدا عن الوحدة.

وبهذه الطريقة سيتم توفير آباء وأمهات بديلات لأطفال الرجال والنساء الذين ترملوا، فضلا عن خلق حياة جديدة لكبار وكبيرات السن ليصار إلى الانتقال إلى الخطوة الثانية وهي توفير فرص عمل في القطاعين الخاص والعام لمن هم في سن العمل من الرجال والنساء أو منح معاشات تقاعد لمن هم خارج سن العمل أو غير قادرين عليه، مع منح مخصصات ورواتب للأطفال وزجهم فورا في المدارس في حال كانوا خارجها وبهذا يتم معالجة مشكلة الأرامل وكبار السن والأيتام بشكل جذري تقريبا.

ولا يقتصر الحال على توفير أموال مقطوعة فقط من دون دراسة لواقع السوق بل توفير خدمات حكومية أو مختلطة من القطاعين الخاص والعام لتدوير الأموال وعودتها لخزائن الدولة مرة أخرى من خلال توفير الغذاء والعلاج والدواء وخدمات النقل والرفاهية بأسعار تعاونية بهامش ربح بسيط جدا حتى الاستقرار على أجور ومخصصات ثابتة تكبح جماح التضخم الذي يؤثر على واقع جميع العاملين في البلاد.

وفضلا عن كل ما جرى لا بد من توفير الرعاية التأهيلية النفسية للأيتام والأرامل وكبار السن لاسيما من تعرض من هؤلاء لظروف نفسية صعبة وفقدوا آباءهم أو أمهاتهم بسبب ظروف الحرب، أو كبار السن الذين مروا بظروف صعبة نتيجة لعقوق الأبناء أو المجتمع بحقهم من خلال تنمية مهاراتهم الفنية والأدبية والمهنية وإعادة دمجهم بالمجتمع كأفراد فاعلين فيه، وبالإمكان الاستعانة بالتجارب المتطورة مثل التجربة اليابانية.

ويصار فورا إلى دفع بدلات إيجار المساكن لهذه الشرائح التي لا يملك أغلبها دورا أو وحدات سكنية، ويتم نقل من تسكن منها في دور غير لائقة من الصفيح وما أكثرها في العراق وليبيا إلى دور سكن لائقة بآدميتها إلى حين استكمال مشاريع بناء وحدات سكينة ملائمة يتم تمليكها لها فورا، فضلا عن تخصيص مقاعد دراسية جامعية وللدراسات العليا في داخل البلاد وخارجها للنهوض بواقع من يرغب من هذه الشرائح في الجانب العلمي والدراسي.

وبهذه الإجراءات نعتقد أن الطبقة الدنيا ستنقرض من الوجود خلال سنوات قليلة وستنضم بكاملها الى الطبقة الوسطى.

وبالانتقال إلى المشكلة الأخرى المتمثلة بالبطالة وهي من أعقد المشكلات التي تواجه كافة الدول المتطور منها والمتأخر، كما هو الحال في ليبيا والعراق ولابد من تحديد أسباب البطالة أولا قبل التوجه لاقتراح الحلول الناجعة التي ستقضي على المشكلة بشكل جذري.

ولعل واحدا من أهم الأسباب إن لم يكن السبب الرئيسي للبطالة هو البون الشاسع بين مخرجات سوق العمل التي تنتج عن المدارس التأهيلية العليا أو الجامعات والمعاهد بكافة أنواعها أو الدورات التدريبية التي تنظمها الدولة أو القطاع الخاص من دون أي تخطيط.

وتكون المعالجة على مسارين المسار الأول استيعاب المخرجات المتراكمة على مدى السنوات الماضية قبل الشروع بآلية العمل الجديدة للمعالجة، والمسار الثاني مسار المعالجة المستقبلية.

ويتمثل المسار الأول في إجراء إحصاء دقيق للغاية بكافة الخريجين العاطلين عن العمل بشكل كامل أو ممن يعملون على مزاحمة باقي شرائح المجتمع على وظائفهم وأرزاقهم، وتحديد القطاعات الحكومية وغير الحكومية التي تحتاجهم وتدوير الفائض من الاختصاصات غير المطلوبة في سوق العمل من خلال إدخالها في دورات تدريبية مدفوعة الأجر تضمن تحويل اختصاصاتهم إلى اختصاصات يستوعبها سوق العمل. وعلى سبيل المثال أن سوق العمل يحتاج إلى من له معرفة وإتقان للغة الإنجليزية والحاسوب والمهارات الأخرى المطلوبة وليس إلى خريجي أقسام الفلسفة وعلم النفس والتاريخ والجغرافية واللغة العربية فيصار إلى تحويل اختصاصات هؤلاء للاختصاصات المطلوبة لسوق العمل واستيعابهم.

ويجري العمل أيضا على إغلاق كافة الأقسام الدراسية التي تخرج الطلبة من دون تخطيط أو يتم تقنينها وفقا لحاجة سوق العمل الفعلية فمثلا يحتاج قطاعي التربية والتعليم والآثار والتراث لـ1000 خريج في العام الواحد لقسم التأريخ وبهذا لا يمكن قبول الطالب الأول بعد الـ1000 في أقسام التأريخ في الجامعات وهكذا يتم ضبط المخرجات التعليمية بشكل يتلاءم مع حاجة السوق ويتم تدوير باقي الطلبة إلى الاختصاصات الأخرى المطلوبة.

ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يصبح الجميع خريجين جامعيين وحملة شهادات عليا إذ لا بد أن يكون في المجتمع النجار والبقال والحداد والسائق وغيرها من المهن التي يتم من خلالها استيعاب من لم يحالفهم الحظ دراسيا وأخفقوا في مجال الدراسة الأولية وبالشكل الذي يضمن لهؤلاء وظائف من خلال تنظيم هذه القطاعات وتحويلها من محال متفرقة إلى مؤسسات متكاملة تعمل بإشراف وزارة العمل والتأهيل والوزارات الساندة ويعمل من خلالها البقالون والجزارون وسائقو سيارات الأجرة في إطار منظم وليس بشكل عشوائي ليضمن الجميع بذلك وظائف تناسبهم ويتم تدريجيا القضاء على البطالة بشكل شبه كامل.

وتتبقى لدينا المشكلة الأخيرة وهي ضعف الأجور في القطاعين العام والخاص وهو الأمر الذي يدفع معظم العاملين في هذين القطاعين إن لم يكن جميعهم للبحث عن عمل إضافي لأن ما يتقاضونه من أجور في العملين الأساسي والإضافي تكفي بالكاد لسد احتياجاتهم وأسرهم.

ويتم حل هذه المشكلة من خلال مسارات عدة أولها توفير رواتب شهرية للأطفال والنساء غير العاملات تكفي للمعيشة وبالشكل الذي يتلاءم مع أسعار السوق، فيما يتمثل المسار الثاني بتفعيل العمل الإضافي فمثلا يمر العديد من الناس بظروف تمنعهم من مراجعة الدوائر الحكومية نهارا وفي حال تم استحداث الدوام المسائي سيتم معالجة هذا الأمر وجعل الموظف يخدم في ذات دائرته من دون الحاجة إلى عناء البحث عن العمل في مكان آخر.

ويكون المسار الثالث عبر ضبط أسعار السلع والخدمات المختلفة وتوجيهها بشكل يستوعب الأجور الأساسية والإضافية ليكتفي المواطن العامل وغير العامل من المتقاعدين بالأجور وتنتهي تدريجيا مسألة التباين في الأجور وضعفها.

وفي الختام لا بد أن نؤكد أن هذه الحلول مستعجلة وتم ارتجالها وفقا للظروف التي تمر بها ليبيا والعراق وبالإمكان تطويرها إلى سياسات وخطط تنفيذية في حال وجود الإرادة السياسية لدى صناع القرار لمعالجة هذه الظواهر وغيرها التي تم تناولها في الحلقات السابقة أو اللاحقة من هذه السلسلة.

وفي الحلقة القادمة سيتم التطرق إلى الإشكاليات التي يعاني منها قطاع الصحة في ليبيا والعراق وسبل النهوض به من ركامه.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق