أخبار ليبيااهم الاخبار

المهدي الحاراتي .. بطل اليائسين (2)

تامر حسين

ترجمة خاصة عن صحيفة EUobserver

(الجزء الثاني)

إلا أن هذا لا يفسر كيف انتقل الحاراتي من تعليم القرآن في فايرهاوس إلى أن يكون قائدا لإحدى أقوى الكتائب الليبية، ويذهب من ثم إلى دعم إحدى الكتائب السورية المبكرة “لواء الأمة”. إنه لمن الصعب حتى تصور الحاراتي يصرخ بالأوامر أو يرفع صوته. يفسرالحاراتي هذا على النحو التالي: تعلمَ كل الأمورالمهمة المتعلقة بالتنظيم، الالتزام باللباس العسكري، الشعارات العسكرية، التنظيف والانضباط من خلال إدارته لهذه المدرسة الصغيرة في فايرهاوس، آيرلندا.
ومع ذلك فإن معارضيه متشككون، فهذه رومانسية. وهل يمكن لبروز الحاراتي أن يُفسر في عصرنا فقط بمهاراته الإدارية، مهما كانت فائقة، وجاذبيته وتميزه؟. لا بد أنه يتلقى دعما خارجيا حشد مواهبه، جميع الراعين الأجانب محصوا الأمر: قطر، سي آي أي، الإخوان المسلمون وسواهم.

لا يمكن إنكارأنه بينما كان الحاراتي يقلل من أهمية اتصالاته بالناتو، يقول صهره حسام النجار شيئا مختلفا. ففي مذكراته “جندي لمدة صيف” يكشف النجاري أن ضباطا من الناتو زاروا جبل نفوسة عارضين على الحاراتي مساعدات محدودة، وقد قبل الحارتي مساعدتهم، ولكنه تخلص من المعدات العسكرية خشية وقوعها بين أيدٍ غير مرغوب في وقوعها بينها. مقاتلون آخرون ادّعوا أيضا أنه كان هناك “دعم فرنسي وقطري ومن السي آي أي للحاراتي، ولذا كان معه مستشارون عسكريون وذخيرة وكان على ارتباط بالناتو”. لكن تلقي دعم خارجي كان واقعا مقبولا في الصراع الليبي لم يتفرد به الحاراتي.

المهدي الحاراتي

وكما يذكر أحد المقاتلين الليبيين البريطانيين، فحتى عبد الحكيم بالحاج، مؤسس الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة التي يعتقد أن لها صلة بالقاعدة، تلقى المشورة من “ثلاثة فنيين بريطانيين… وكانوا يتحدثون عن أين يضعون السواتر وأين يثبتون مناظير المراقبة”.

لعل الظروف ضغطت على الحاراتي على غرار ضغطها على توسينت لوفرتشر، مالك المزرعة الأسود الذي تحول إلى جنرال في الثورة الهاييتية في القرن التاسع عشر. الحاراتي مؤمن إيمان عميق بالقدر، وأنه في لحظة من تاريخ الشرق الأوسط كان أداة للإرادة الإلاهية.

هذا يبدو طريفا عند الغربيين الذين استغنوا عن الله منذ زمن طويل، لكنه بالنسبة إلى الليبيين والعرب وكثير من المسلمين، يتصادم مع قول النبي محمد وما تسقط من ورقة إلا يعلمها*.

بيد أن قلة يلاحظون أن الحاراتي اكتسب خبرة قتالية في العراق وكان يُبلي في قتال الأميركان قبل ظهور أبو مصعب الزرقاوي في المشهد.

وهذا لا يمثل لأتباعه مصادفة ولكن يد الله كانت تهيئه لمستقبله. بعد تظاهره ضد الغزو الأميركي للعراق مع خمسة عشر ألف آيرلندي بشوارع دبلن، أعلن على الملأ عن نيته الوقوف مع العراقيين. في 2003 طار إلى دمشق ووجد نفسه على الأرضية المرمرية البيضاء الساخنة بالجامع الأموي. انتظم السوريون في صفوف للتسجيل من أجل الانخراط في “الجهاد” وأُخذو إلى الحافلات من قبل رجال ذوي شوارب بعثية وأوشام تمثل الأسد.

يتذكر قائلا: “أدركت أن النظام السوري كان يتخلص من العناصر المزعجة من سكانه. لذا نظمت قافلتي الخاصة”.

ذهبت قافلته إلى معسكرات الجيش العراقي ببغداد حيث تجهز لمقاومة الغزو الأمريكي. لم يكن محتاجا لتلقي دروس في استخدام الكلاشنكوف، فلقد تعلم ذلك في المدارس الليبية، وليس داعش فقط علمت تلاميذها استخدام السلاح. ومع ذلك، فإن مفارقة القتال مع صدام حسين لم تفارقه: هنا كان شخصا قاسٍ على يد طاغية يستعد للدفاع عن طاغية آخر.

“الناس كانوا يخبرونني أن صدام قد تغير في السنوات الأخيرة”. يقول مبررا.

والحاراتي يمنحه، على مضض، بعض الاحترام لكونه تصدى للأميركان ومات ميتة تحدٍ حتى اللحظة الأخيرة.

المعنويات تبخرت حينما لاحت الأباتشي في الأفق وجاءت دبابات أبرام وقذائفها مع دخان الديزل. بعد شهر سكنت صيحات “الله أكبر” والقسم بدوام الوفاء لصدام وتُركت الكلاشنكوف. يتذكر كيف حاول التصدي للأميركان في إحدى نقاط دخول بغداد على حين كان رفاقه في السلاح قد تشتتوا وطلبوا منه الهروب. لكن إلى أين؟. لقد كان عالقا.

“ابق ساكتا” حذره أحد العراقيين. كانت المليشيات الطائفية تجوب الشوارع وسوف تعتقله بتهمة التمرد. سافر عبر الصحراء العراقية أحيانا على رجليه وأحيانا على سيارة إلى أن وصل الأردن حيث سُفر من قبل السفارة الآيرلندية. عاد مهزوما، إلا أنه أخذ عبرة من ذلك. فلقد تعلم كيف يتكيف مع كثافة الحرب وأدرك أن شرعية أية حكومة تكمن في الشارع.

الحاراتي ما بعد العراق رأى مكانته تزداد وأخذ نشاطُه السياسي المتلائم مع الواقع يتنامى إلى درجة أن أجهزة الأمن الليبية حاولت اختطافه ثانية في 2007.

يقول الحاراتي متذكرا “كان ثمة تنسيق بين أجهزة الأمن الليبية والمصرية ورجلين إنغليزيين وجدنا اسميهما في أحد التقارير بعد دخول طرابلس”.

سنة 2010 تزايدت مصداقيته في عيون مواطنيه الليبيين، إذ كان الحاراتي على متن السفينة فريدوم فلوتيلا التي تحاول كسر الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة، ولقد جرح عندما حاولت مجموعة عسكرية إسرائيلية خاصة الصعود إلى متن السفينة، وانتهى به الأمر إلى أحد مستشفيات إسطانبول محاطا بكل أولئك الباحثين عن فرصة للتصوير. الرئيس آردوغان الذي يعجب به الحاراتي قام بزيارته في المستشفى، ومما يثير الدهشة أن السفير الليبي أحمد قذاف الدم قام بنفس الشيء.

وقد قدم له عرضا قل من يرفضه. فحسب الحاراتي أنه أصبح أحد أبطال القضية الفلسطينية وأراد النظام الليبي، الذي كان يحرص دائما على إظهار دفاعه عن حقوق الفلسطينيين بقوة، احتواءه واستخدامه كأداة دعاية.

عرض عليه السفير العفو ومبلغا ماليا مضحكا شريطة العودة والتصالح مع النظام. يصور الحاراتي اللحظة في شكل درامي، “أقسم بالله أنني لن أعود إلى ليبيا إلا للإطاحة بحكومتكم”. وحسب هذه الرواية، فهذا ما حدث.

لما أحرق البائع المتجول التونسي البوعزيزي نفسه كان المسرح قد هُيء، إلا أن الحاراتي كان لديه انزلاق غضروفي وكان يشاهد الأخبار من قسم في أحد مستشفيات آيرلندا. الكسل يمرضه. وحين فرت عائلة بن علي إلى السعودية مع سبائك ذهب بلده سرت حمى الثورة إلى ميدان التحرير في مصر.

قال الحاراتي “قد تكون ليبيا هي التالية”. هنا بدأ رفاقه الليبيون يتجمعون حول الشيخ طالبين منه المشورة. كان هذا أكثر الأمور طبيعية. كثرت الزيارات إلى حد جعل الأطباء يحددون ساعات الزيارة. طوح بعكازه وسارع نحو السفارة المصرية يحتج على نظام مبارك عبر مكبر الصوت. يقول أن خطابه سمع في ميدان التحرير ذاته. فهو، في النهاية، نصف مصري من جانب أمه.

في ذات الوقت كان أفراد أسرته في بنغازي وطرابلس يختفون وكانت المروحيات تقصف أصدقاءه. كان متأكدا من أن الدكتاتور لن يزول إلا بقوة السلاح. وفي الواقع فإن حسام النجار أكد أن الحاراتي أدرك ذلك منذ البداية، وطبقا للمثل العربي فإن “من يرغب في قطف الورد عليه تحمل شوكه”.

وهكذا طار الحاراتي، مثلما فعل عدة ليبيين من دبلن ولندن ومانشستر، إلى تونس المجاورة. وهناك منع من الدخول بكل احترام، ورغم ثورة الياسمين فإن التوانسة ورثوا دولة فاعلة مازالت تعتبره شخصا غير مرغوب فيه. القاهرة أيضا رفضت دخوله. في النهاية تدخل إمام سوداني حارب في أفغانستان لدى الحكومة السودانية لمنحه تأشيرة للعبور إلى ليبيا.

طار إلى أم درمان حيث استقبل استقبالا كاملا على البساط الأحمر ومسؤولين وضباط عسكريين وأمنيين. أصيب الحاراتي بالدهشة، فكل ما أراده هو الوصول إلى الكفرة، لكنه وجد نفسه في محادثات مع ضباط أمنيين رفيعي المستوى.

“إذن، سيد حاراتي”. قال أحدهم. “بماذا يمكننا أن نساعدك؟”.

“فقط دعوني أذهب إلى الكفرة”.

“لماذا؟. ستُقتل!. من ستقابل هناك؟”.

“سأقابل شخصا ما”.

“نعم. هل أنت من القاعدة؟”.

“لا. طبعا لا!”.

أدرك الحاراتي، لحظتها وهناك، أن السودانيين كانوا يرون فيه شريكا محتملا. فسقوط القذافي يعني نهاية مشاكلهم السياسية.

قال الحاراتي “حتى الآن نحن نحترمهم وكافأناهم على مساعدتهم لنا في تلك الأوقات. وهكذا اصطحبتني أجهزة الأمن السودانية إلى الحدود حيث التقيت بمهربين يعملان مع الحكومتين”.

سافر الحاراتي مع المهربين عبر براح الصحراء معتمدين فقط على النجوم. في منتصف المسافة سأله السائق:

“إلى أين تريد الذهاب تحديدا؟”.

“الكفرة”.

“الكفرة؟”. قال السائق مستغربا، “هل جننت؟”.

“لماذا؟. اعتقدت أنها تم الاستيلاء عليها من المتمردين”.

“لا. مازالت تحت سيطرة القذافي. ستقتل”.

“اسمع، صديقي طلب مني المجيء إلى الكفرة والبحث عن ذلك الشخص، إذا قابلني فكل شيء سيكون على ما يرام”.

“إذن من ستقابل؟”.

“سأقابل عبد السلام”.

“هل تعرف عنوانه؟”.

هز الحاراتي رأسه.

يتذكر الحاراتي “نظرا إلى بعضهما. أنت محظوظ. الرجال الذين سيكملون معك المشوار أبناء أخيه. الرجل معروف في المدينة”.

أوضح الحاراتي أن العناية الإلاهية كانت ترعى هذه المغامرة. “حينما تكون نيتك صافية سيكون الله في عونك”.

في الفجر رأوا ضوءا يومض عن بعد. انضم الحاراتي إلى الوسطاء ومضوا إلى الكفرة. حينما دخل الحاراتي المدينة كان الوضع بين المتمردين وأنصار القذافي في حالة جمود، ولحسن حظه كانت الكفرة مدينة قبيلة واحدة ولا يمكن أن يقتل فيها المنتمي إلى القبيلة بسهولة، سواء كان متمردا أو داعما للنظام.

لم يعلم عبد السلام بمقدم الحاراتي.
“أتيت للالتحاق بالمتمردين”. أوضح الحاراتي.

“ماذا تقصد؟”.

“لكنني كنت أعتقد أنك ستساعدني. اعتقدت أنك تتوقع وصولي”.

شحب لون عبد السلام. أرسل أبناء أخيه بعيدا خشية أن يعرضهم حضور الحاراتي إلى الخطر، ثم اتصل برجل الحاراتي في بنغازي. قال له عبد السلام “ستذهب من هنا. إذا بقيت ستقتل”.

أوصله عبد السلام بالسيارة إلى قاعدة “المتمردين” وبقي الحاراتي هناك لمدة تسعة أيام، ومن هناك سافر إلى إجدابيا حيث يرى أن العناية الإلهية تدخلت مرة أخرى، ذلك أنه انتهى إلى بيت من ثلاثة طوابق مع أسرة لا يعرفها يخص عائلة صديقة عرفها في آيرلندا. صار ذلك البيت مقر قيادته عند الهجوم على البريقة.

*المقالات المترجمة المنشورة على 218TV لا تُمثّل وجهة نظر المؤسسة ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية تجاه إعادة نشرها

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق